منتديـــــــــات حى على الـــــــــــــــــفلاح الإســــلامى


Uploaded with ImageShack.us


منتدى اسلامى متخصص فى الدعوه إلى الله والمناصحه بين المسلمين وعلوم القراءات العشر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخولمكتبة الصور
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
محمد ابراهيم إبراهيم الحكمه سيدنا الانبياء العام ميلاد الحكمة رسول الحديث وراء مولد النبي اسماء سيّدنا الله منهج السيرة ألفاظ الدعوة حياته قصّة المسيح الحسنى أباه،
المواضيع الأخيرة
» فقه البيوع ( متجدد)
أمس في 4:21 pm من طرف ثروت

» حج صل الله عليه وسلم
أمس في 7:11 am من طرف ثروت

» مسألة الترادف في القرآن
السبت أغسطس 11, 2018 7:31 pm من طرف ثروت

» : سبب تسمية يحيى عليه السلام بهذا الاسم، ومعناه
السبت أغسطس 11, 2018 7:28 pm من طرف ثروت

» الحج وحده وتآلف
الجمعة أغسطس 10, 2018 4:52 pm من طرف ثروت

» لا تجب الزكاة إذا زال ملك النصاب قبل تمام الحول
الثلاثاء أغسطس 07, 2018 6:32 pm من طرف ثروت

» عندي خمس من الإبل ، فهل يجوز لي أن أخرج في الزكاة بعيراً بدلاً من الشاة
الثلاثاء أغسطس 07, 2018 6:28 pm من طرف ثروت

» رجل لديـه [ 200 ] من الإبل ، يبيع ويشتري بها فكم يخرج زكاتها
الثلاثاء أغسطس 07, 2018 6:02 pm من طرف ثروت

» الصغيرة من الغنم تحتسب في إتمام النصاب ، ولا تجزئ في الإخراج.
الثلاثاء أغسطس 07, 2018 5:57 pm من طرف ثروت

أغسطس 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 06, 2014 8:46 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد

بعون الله ومدده سنتناول شرح احاديث عمدة الاحكام وذلك حسب ابواب الفقه إن شاء الله برجاء عدم الرد على الموضوعات

الباب الاول : الطهاره
الحديث الأول :
حديث عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه . متفق عليه .

= هذا حديث عظيم
ولذا فإن العلماء يُصدّرون به مصنفاتهم كما فعل الإمام البخاري .
وقيل في تعليل ذلك : لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف .
قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفتُ كتابا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب . وقال : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ .
قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فرُويَ عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث :
حديث عمر " إنما الأعمال بالنيات " ، وحديث عائشة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وحديث النعمان بن بشير " الحلال بيّن والحرام بيّن " .

= والنيّة في اللغة هي القصد والإرادة .

= وفائدة النيّة :
تمييز العبادات بعضها عن بعض
وتمييز العبادات عن العادات

فالأول مثل تمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر ، وتمييز صلاة النافلة عن صلاة الفريضة .
وكتمييز صوم رمضان عن صوم النافلة .

والثاني مثل تمييز غُسل الجنابة عن غُسل التطهّر والتّبرّد .

وقد قيل :
بصلاح النيّات تُصبح العادات عبادات
وبفساد النيّات تُصبح العبادات عادات
فالعادات من أكل وشُرب ونوم ونحو ذلك إذا صلحت فيها النيّة أصبحت عبادات ، إذ الوسائل لها أحكام المقاصد .
والعبادات إذا فسدت فيها النيّات أو غاب عن صاحبها استحضارها ولم يرد عليه الاحتساب كانت أعماله عادات أو كالعادات . لا قيمة لها ولا روح .

= وضابط حصول النيّة وترتّب الأجر عليها ما قاله ابن المُلقِّن حيث قال : والضابط لحصول النيّة أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع ، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع ، كانت حاصلة مُثاباً عليها ، وإلا فلا ، وإن لم يقصد ذلك كان عملاً بهيمياً ، ولذا قال بعض السلف : الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نيّة . انتهى .
= وضابط حصول الأجر من عدمِه أن تكون الحسنة أو السيئة همّـاً عند العبد ، كما في حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك ؛ فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة . متفق عليه .

= وإذا صلحت النيّة فربما بلغ العبد منازل الأبرار ، وتسنّم المراتب العُلى بحسن نيّته .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
إنما الدنيا لأربعة نفر :
عبد رزقه الله عز وجل مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله عز وجل فيه حقه . قال : فهذا بأفضل المنازل .
قال : وعبد رزقه الله عز وجل علما ولم يرزقه مالا قال فهو يقول : لو كان لي مال عملت بعمل فلان قال فاجرهما سواء .
قال : وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل .
قال : وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مال لعملت بعمل فلان . قال : هي نيته فوزرهما فيه سواء . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح .

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معـكم . قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر . رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه ، ورواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .

= فائدة
لا علاقة لورود هذا الحديث بحديث مهاجر أم قيس .
وحديث أم قيس قال عنه الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح .
وقال الذهبي - بعد أن ذكر رواية الطبراني - : إسناده صحيح .
وقال ابن حجر - بعد أن ذكر رواية الطبراني - : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيق بسبب ذلك ، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك .

وهناك عدة مباحث في النيّة ، كدخول الرياء في العمل وتفصيل ذلك ، وكتشريك النيّة ، وتغييرها ، وكنيّة ترك ما حـرّم الله ، ونحو ذلك ، ولكني أراني أطلت .
=========================
تفصيل مسألة دخول الرياء على النيّة
ينقسم العمل الذي يُخالطه أو يُصاحبه الرياء بالنسبة لقبول العمل من عدمه إلى أقسام :
أن يُصاحبه الرياء من أصل العمل فيحبط العمل بالكليّة .
أن يطرأ عليه الرياء خلال العمل دافعه فإنه لا يضرّه ، وإن لم يُدافع الرياء فَلَهُ حالات :
إن كان العمل مما يتجزأ ، كالصدقة ونحوها ، فما دَخَلَه الرياء فهو حابط ، وما لم يدخل الرياء لم يحبط .
وإن كان مما لا يتجـزأ كالصلاة ونحوها فإنها تحبط ، لعـدم مُدافعته للرياء .
والنيّة أصل في صلاح الأعمال
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه ، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع .
والمُراد بذلك النيّة .
========
والرياء في العمل يكون وبالاً وعذاباً وحسرةً على صاحبه يوم القيامة ، يوم يُشهّر بصاحبه على رؤوس الأشهاد ، وعندها تزداد حسرته وندامته .
فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . رواه مسلم عن ابن عباس ، وروى البخاري مثله عن جندب بن عبد الله .

قال العز بن عبد السلام : الرياء أن يعمل لغير الله ، والسمعـة أن يخفي عمله لله ، ثم يحدث به الناس .
قال الفضيل بن عياض : كانوا يقولون ترك العمل للناس رياء ، والعمل لهم شرك . عافانا الله وإياك .

وإخلاص العمل لله سبب لسلامة القلب
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يَـغِـلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه أحمد وأهل السنن .
قال ابن عبد البر : معناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبـداً ، يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفـاق إذا أخلص العمل لله ، ولزم الجماعـة ، وناصح أولي الأمر .
وقال ابن رجب : هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم . انتهى كلامه - رحمه الله - .
فعدمُ الإخلاص يُورث القلبَ الأضغان والأحقاد .

ومما بقي في شرح هذا الحديث مسائل :

الأولى : ما يتعلق بألفاظ الحديث
الثانية : الكلام على الهجرة
الثالثة : الاحتساب في المباحات وفي التّ{وك

فالمسألة الأولى : ما يتعلق بألفاظ الحديث ، ومنها :

إفادة الحصر في قوله : إنما الأعمال بالنيات .

وتقديرها : إنما تكون الأعمال صالحة ومقبولة عند الله بالنيات الصالحة .

وقوله : وإنما لكل امرئ ما نوى . وإن أظهر غير ذلك ، فالله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية .

ولذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ، ويقاتل حمية ، فرفع إليه رأسه ، فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل . رواه البخاري ومسلم .

وهذا جواب الحكيم – كما يُقال – فلم يُعدد عليه الأغراض التي لا تكون في سبيل الله لكثرتها ، وإنما حصر له الجواب في تحديد من هو في سبيل الله عز وجل .

وعند النسائي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : من غزا في سبيل الله ولم ينوِ إلا عقالاً فله ما نوى .

وقوله عليه الصلاة والسلام : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله . أعاد الجملة الثانية معطوفة على الأولى لأهمية هذا العمل ، وهو الهجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

بينما في آخر الحديث قال : فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه . لم يُعد الجملة كما في الأولى لسببين :
الأول : حقارة هذا الأمر الذي يُهاجر الإنسان من أجله .
الثاني : لتعدد الأغراض التي يُهاجر لها الناس ، فلا تنحصر في دنيا أو زواج .

والمسألة الثانية : الكلام على الهجرة

فالهجرة في اللغة تُطلق على التّـرك

وفي الاصطلاح : الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام .

والهجرة باقية ما بقيت التوبة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها . رواه الإمام أحمد وأبو داود .

وأما قوله عليه الصلاة والسلام : لا هجرة بعد الفتح . كما في الصحيحين ، فالمقصود به لا هجرة مِن مكة – شرّفها الله وحرسها – لأنها صارت دار الإسلام ، فلا يُهاجر منها .

والهجرة أنواع :
هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام

وهجرة من بلد البدعة إلى بلد السنة

وهجرة من بلد المعصية إلى بلد الطاعة

ومن ذلك : هَجْر ما نهى الله عنه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : والمهاجر مَنْ هَجَرَ ما نهى الله عنه . رواه البخاري .

والمسألة الثالثة : الاحتساب في المباحات وفي التّروك

عندما يحتسب المسلم في أكله وشُربه ونومه وقيامه فإنه يؤجر على نيته هذه .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يؤجر في أخص حظوظ نفسه ، فقال : وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام . أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا . رواه مسلم .

ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ، قال لهما : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تُنفّرا . فانطلق كل واحد منهما إلى عمله ، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه ، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا ، فسلّم عليه ، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه ... فقال معاذ حين نزل : يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال : أتفوّقه تفوقاً . قال أبو موسى : فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال : أنام أول الليل ، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم ، فأقرأ ما كَتَبَ الله لي ، فأحتسب نومتي ، كما أحتسب قومتي . رواه البخاري ومسلم .

فقوله رضي الله عنه : أحتسب نومتي ، كما أحتسب قومتي .

أي أنه يحتسب في نومته ، وينوي بها الاستعانة والتّقوّي على قيام الليل .

فالمسلم إذا استحضر النية فإنه يؤجر في سائر عمله ، حتى في المباحات .

قال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه : أوصني . قال : يا بُني انوِ الخير فإنك بخير ما نويت الخير .

وقال زيد الشامي : إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب . وقال : انوِ في كل شيء تريد الخير ، حتى خروجك إلى الكناسة .

وعن داود الطائي قال : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية ، وكفاك بها خيرا وإن لم تَنْصَب . ذكره ابن رجب .

أي وإن لم تتعب فإنك تؤجر على حُسن نيتك .

وقيل لنافع بن جبير : ألا تشهد الجنازة ؟ قال : كما أنت حتى أنوي . قال : ففكر هنيهة ، ثم قال : امض !

فالمسلم بحاجة إلى تعاهد نيته ، ومراجعتها في كل عمل

قال سفيان الثوري : ما عالجت شيئا أشد عليّ من نيتي ؛ لأنها تنقلب عليّ .

هذه نتف من الفوائد المتعلقة بهذا الحديث النبوي العظيم .

وللحديث بقية عبارة عن أسئلة وردتني .

ثم وردني هذا السؤال من إحدى الأخوات
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
الشيخ الفاضل ..
جزيت خيرا على طرحك لهذا الدرس المميز .. و نسأل الله العلي العظيم ان ينفعنا و إياكم به و يجعله في ميزان حسناتكم يوم نلقاه ...
شيخي الفاضل .. لقد وفيت في شرحك و بخاصة عن الرياء و كنت على وشك سؤالك عنه
فمن المعروف انه الرياء هو الشرك الأصغر و هو أخفى من دبيب النمل ...
و أحيانا يكون الأصل في العمل وجه الله و القرب منه
فما تشعر إلا و قد خالط نفسك شئ ... تحاول جاهدا ان تدفعه ...
فأحيانا تجد ان الشيطان يقول لك لا تخاشع لأن الناس يرونك و أحيانا تخاشع لن الله يراك
فتحتار .. و تخاف في عملك ما الذي تفعله حينها ...
و إذا كان الرياء خفيا لا يستشعر .. كما علمت انه اخفى من النملة على صخرة سوداء في ليلة دهماء فكيف ادفعه عن نفسي ؟؟؟
وهل هناك من دعاء أدعو به .. لأتقي هذا الشر
و جزاك الله عني خيرا
الجواب :
وشكر الله لك هذه الإفادة والإضافة
أما إذا جاء الشيطان ليُدخل الرياء على المسلم ، فعلى المسلم مدافعة الرياء ولا يضرّه .
فإذا جاء الشيطان أو ورد الوارد لتحسين العمل فعلى المسلم أن يتذكّر : أن الناس لا يملكون له نفعا ولا ضرا ، وبالتالي فليس هناك دافع للعمل لأجلهم .
وقد نقل ابن القيم - رحمه الله – عن عبد القادر الكيلاني - رحمه الله - أنه قال : كُـن مع الحق بلا خلق ، ومع الخلق بلا نفس .
ثم قال ابن القيم معلِّقاً : فتأمل ما أجلّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل .
فإذا قام المسلم يُصلّي – مثلاً – جاءه الشيطان ليُحبط عمله ، فيقول : له فُلان ينظر إليك وإلى عملك فأحسن العمل
فلا يلتفت إلى هذا ويبقى على ما كان عليه ولا يترك العمل لأجل ذلك ، كما تقدم في كلمة الفضيل بن عياض . [ والكلام يطول في تفصيل ذلك ]
من أجل ذلك كان السلف يحرصون على إخفاء العمل ، وأن يجهد الإنسان أن يُخفي العمل ما استطاع .
من أجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع . رواه البيهقي ، وقال المنذري : إسناده جيّد ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .
وقال عليه الصلاة والسلام : فصلوا أيهـا الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . متفق عليه من حديث زيد بن ثابت
ورواه أبو داود بلفظ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة .
فصلاة الرجل النافلة حيث لا يراه أحد أفضل من صلاته في مسجده صلى الله عليه وسلم .

وأما ما يُذهب الرياء
فأسوق إليك هذا الحديث بطوله وقد تضمّن قصة
روى البخاري في الأدب المفرد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، للشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل .
فقال أبو بكر : وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، للشِّرك أخفى من دبيب النمل ، ألا أدلك على شيء إذا قـُـلتـه ذهب عنك قليله وكثيره ؟
قال : قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم .
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .

وهذا سؤال آخر من أخت أخرى فاضلة :
جزاك الله خير فضيلة الشيخ السحيم...
بس عندي بعض الاستفسارات...
- سمعت مرة من أحد الشيوخ ، إن لا يجب النطق بالنية، يكتفي الفعل... مثلاً: نية الصوم، القيام للسحور... فهل الأفعال تكفي عن النية اللفظية؟؟ إذا كان لا.. فهل هناك صيغة محددة أو محببة للنية؟؟
و جزاك الله خير أخوي.. و جعله في ميزان حساناتك..
الجواب :
بارك الله فيك أختي الفاضلة
هذه مسألة مهمة فاتني التنبيه عليها
فأقول :
لا يجوز التـّـلفّـظ بالنية ، إذ التـّـلفّـظ من محدثات الأمور
قال ابن عمر لما سَِمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج والعمرة . فقال له : أتُعلّم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟

فلا يتلفّظ بالنية حتى عند إرادة الحج والعمرة
فلا يقول عند إرادة عقد الإحرام : اللهم إني أريد الحج والعمرة .
وإنما يُلبّي بالحج والعمرة معاً أو بأحدهما
فيقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجة
أو : لبيك عمرة
وهذا ليس من التلفظ بالنية إنما هو بمنزلة التكبير عند دخول الصلاة .

وكذلك إذا أراد الصلاة فلا يقول – كما يقول بعض الجهلة : - اللهم إني أريد أصلي صلاة الظهر أربع ركعات .
فإن هذا لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم .

وكذا الأمر بالنسبة لسائر العبادات ؛ لأن النيّة محلّها القلب .
فيكفي فيها عقد العزم على الفعل .
كما أن نيّة تبييت الصيام من الليل لصوم الفريضة تكفي من أول شهر رمضان إلا أن يقطع النية بسفر أو فطر لمرض وعذر .
ويكفي في النية العزم على الفعل
فإنه إذا عزم على صيام يوم غد ثم صامه أجزأته النية التي عقدها بقلبه .
ويُقال نفس الكلام في نية الصلاة ، ولكن لا بد من تعيين النيّة لتلك الصلاة
هل هو يُريد صلاة الظهر أو العصر مثلاً
وكذلك الوضوء ، فإذا توضأ المسلم ، وهو ينوي رفع الحدث ارتفع حدثه
ولو اغتسل ونوى بالغسل اندراج الوضوء تحته أجزأه

وهكذا .
فالنيّة محلّها القلب ولا يجوز التلفظ بها ، بل التلفظ بها بدعة محدَثة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
والله أعلم

وهذا سؤال ثالث من أخت فاضلة ثالثة :
أول كلمة اقولها في هذه الزاوية ..
أستاذي الحبيب ..جزاك الله خير الدنيا والآخرة ..وكتب لك بها الرضى والعافية والأجر في الدنيا والأخرة وسدد خطاك ..وحفظك وزادك من فضله في الدنيا والأخرة
الشيء الثاني ..ربي لا يحرمنا منك ..
كيف أشكرك ..وكيف ارد الجميل ..كانت هذه الدروس ستفوتني ..لو لا دعوتك المباركة ..الله يحفظك
عندي سؤال بعد أذنك
ألا تحتاج بعض الأعمال إلى إظهارها وعملها علنا أمام الخلق طمعا في اقتداء الناس بهذا العمل..كحفظ القرآن الكريم على سبيل المثال ..اتمنى أن اعرف الإجابة ..
الجواب :
بورك فيك واحسن الله إليك
بل أنا أشكر استجابتك وحضورك
وحيّاك الله أختاً لنا مشاركة ومُفيدة في الوقت نفسه
أخيّه :
الأصل في الأعمال الإخفاء ( أن تُخفى )
لقوله سبحانه : ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ )
وفي حديث السبعة الذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه قال صلى الله عليه وسلم فيهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه . متفق عليه .
وبوّب عليه الإمام البخاري : باب صدقة السر .
وعقد قبله باباً : باب صدقة العلانية ، ثم ساق قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
وقد تقدّم أن إخفاء العمل الصالح أبلغ في الإخلاص
وحال السلف يدل على ذلك ، وسأذكر بعض الأمثلة بعد ذلك إن شاء الله
غير أنه إذا طمِع المسلم أو المسلمة في الاقتداء به بذلك العمل فله أن يُظهره شريطة أن يُجاهد نفسه ، لأن الشيطان سيُدخل عليه الرياء .
ومن هنا فقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم بعض أعمالهم لما احتاجوا إلى ذلك

فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنه قال : كنا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعّـر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة ) إلى آخر الآية : ( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) والآية التي في الحشر ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال : ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت . قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة . الحديث .

فهذا الأنصاري قد جاء بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت
وكان هذا على مرأى ومسمع من الناس .
فإذا اقتضت المصلحة إظهار العمل الصالح فإنه يُظهره لتلك المصلحة فحسب .
والله أعلم .

كنتُ قد وعدت أن أسوق شيئا من أحوال السلف في إخفاء العمل وحرصهم على ذلك واجتهادهم فيه ، وهذا أوان الشروع في المقصود :

لما رأى ابن عمر رجلاً يُصلي ويُتابع قال له : ما هذا ؟ قال : إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر : أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان .
ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن : قلت : أنا ، ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .
فقوله – رحمه الله – : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .
وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .

وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِـرّاً ؛ إن كان ليجئ الرجـل وقد نَشَـرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه .

قال الأعمش : كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقـرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال : لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .

قال عبدة بن سليمان : كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمـه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال : و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .

قال محمد بن القاسم : صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابناً لـه صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا
أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء .

وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول : ما أشدّ الزكام .

هذا نزر يسير من حرصهم على إخفاء أعمالهم حتى لا يدخلها الرياء ، ولا يجد الشيطان مدخلا إلى نفوسهم .
فرحم الله سلف هذه الأمة ما أعظم فقههم وما أدق فهمهم .

فائــدة :
لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء القضاة فقال له : أصلح الله القاضي كم آكل ؟
قال : فوق الجوع ، ودون الشبع .
قال : فكم أضحك ؟
قال : حتى يُسفر وجهك ، ولا يعلوا صوتك .
قال : فكم أبكي ؟
قال : لا تمل البكاء من خشية الله .
قال : فكم أخفي من عملي ؟
قال : ما استطعت .
قال : فكم أظهر منه ؟
قال : ما يقتدي بك الحريص على الخير ، ويُؤمن عليك قول الناس .

وسألت أخت كريمة فاضلة ، فقالت :
حديثين شيخنا الفاضل ... هل يمكن أن نعلم مدى صحتهما بارك الله فيك :
( نية المؤمن أبلغ من عمله ونية الفاجر شر من عمله )
وفي رواية ( إن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته مالايعطيه على عمله ) لأن النية لارياء فيها والعمل يخالطه الرياء ....
وبارك الله فيكم
الجواب :
بورك فيك أختي الفاضلة ، وشكر الله سعيك وحيّاك معنا
وزادك الله فقهاً وحرصا على طواعية الله ورسوله

أما الحديث الأول فهو بلفظ : نية المؤمن خير من عمله ، وعمل المنافق خير من نيته ، وكل يعمل على نيته ، فإذا عمل المؤمن عملا ، ثار في قلبه نور .
فهو حديث ضعيف المعنى والمبنى
وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع برقم 5977
وقد تكون نيّة المؤمن خيرٌ من عمله كما تقدم في حديث : " إنما الدنيا لأربعة نفر "
وكما في قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته .
وفيه قصة ، وذلك أن عبد الله بن ثابت كان قد تجهز للغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات قالت ابنته : والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً ، فإنك كنت قد قضيت جهازك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته . رواه الإمام أحمد وغيره ، وهو حديث صحيح .
وقد يكون العمل أبلغ ، خاصة إذا كان بعيداً عن أعين الناس ، أو كان نفعه مُتعدّياً .

وأما الرواية الثانية التي أشرتِ إليها
إن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته مالا يعطيه على عمله .
وهي بقية الحديث الأول ، وأشار إلى ضعفها العجلوني في كشف الخفاء
ولم أرها في شيء من كتب السنة إلا في مسند الفردوس بلفظ :
نية المؤمن خير من عمله وإن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله وذلك إن النية لا رياء فيها والعمل يخالطه الرياء .
ولا يصح .
والله أعلم .
ألى لقاء فى الحديث الثانى


عدل سابقا من قبل ثروت في الأحد أبريل 06, 2014 9:00 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 1:25 pm

شرح الحديث الـ 52

في المواقيت

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي الظهر بالهاجرة ، والعصر والشمس نقية ، والمغرب إذا وَجَبت ، والعشاء أحيانا وأحيانا ، إذا رآهم اجتمعوا عجّل ، وإذا رآهم أبطؤوا أخّـر ، والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصليها بغلس .

في الحديث مسائل :

1 = تعريف الهاجرة :
قال الفيروز آبادي : والهجير والهجيرة والهجر والهاجرة : نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر ، أو من عند زوالها إلى العصر ؛ لأن الناس يستكنّون في بيوتهم ، كأنهم قد تهاجروا ، وشدة الحر ، وهجّرنا تهجيرا ، وأهجرنا وتهجرنا ، سِرنا في الهاجرة ، والتهجير في قوله : " المهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة " وقوله : " ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه " بمعنى التبكير إلى الصلوات ، وهو المضي في أوائل أوقاتها ، وليس من الهاجرة . اهـ .

وقال ابن الأثير : والهجير والهاجرة اشتداد الحر نصف النهار ، والتهجير والتهجر والإهجار السير في الهاجرة.

والمقصود به نصف النهار بعد زوال الشمس .
وسيأتي مزيد بيان لوقت الظهر في الحديث الذي يليه .

2 = يُطلق على صلاة الظهر :
الظهر ، نسبة للوقت .
الهجير ، نسبة إلى الهاجرة ، وهو الوقت .
والأولى ، كما سيأتي في الحديث الذي يليه .
ويُطلق عليها مع العصر : صلاتي العَشِيّ .
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشي .
قال القاضي عياض : قوله : " إحدى صلاتيّ العشيّ " يريد الظهر والعصر ، وكانوا يُصلون الظهر بعَشيّ ، والعَشيّ ما بعد زوال الشمس إلى غروبها . قال الباجي : إذا فاء الفئ ذراعا فهو أول العشيّ . اهـ .
ومنه قوله سبحانه وتعالى : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ )

3 = في هذا الحديث لم يُذكر نهاية الوقت ، وإنما نُص فيه على أن وقت الظهر هو نصف النهار .
ولم يُنصّ على وقت العصر ، وإنما قال : والعصر والشمس نقية .
وسيأتي – إن شاء الله – تحديد الأوقات .

4 = قوله : " والعصر والشمس نقية " أي صافية لم تتغيّر بالصُّـفرة .
وسيأتي الكلام على وقتها في الحديث الذي يلي هذا الحديث .

5 = قوله : " والمغرب إذا وَجَبت " يعني إذا سَقَطَتْ .
ويأتي الوجوب بمعنى السقوط ، كما في قوله تبارك وتعالى : ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (الحج:36) .

والضمير في قوله : " والمغرب إذا وَجَبت " يعود على الشمس .
وهو يعني أن العبرة بسقوط قرص الشمس في الصوم والصلاة .

ومنه قوله تعالى : ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) .
والمعنى : حتى توارت الشمس وغابت .

6 = السنة تعجيل المغرب
روى الإمام أحمد وأبو داود عن مرثد بن عبد الله قال : لما قدم علينا أبو أيوب غازيا ، وعقبة بن عامر يومئذ على مصر ، فأخّـر المغرب ، فقام إليه أبو أيوب فقال له : ما هذه الصلاة يا عقبة ؟ فقال : شُغلنا . قال : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تزال أمتي بخير - أو قال على الفطرة - ما لم يؤخِّروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم ؟

وفي الصحيحين عن رافع بن خَدِيج رضي الله عنه قال : كنا نُصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نَبْلِه .

7 = مراعاة حال المأمومين في صلاة العشاء ، ففي الحديث : " والعشاء أحيانا وأحيانا ، إذا رآهم اجتمعوا عجّل وإذا رآهم أبطؤوا أخّـر "
وهذا يدلّ على مراعاة حال الناس في صلاة العشاء على وجه الخصوص ، وذلك لأمور ، منها :
1 – كون صلاة العشاء موسّعة الوقت ، وتأخيرها أفضل ما لم يشق على الناس .
2 – كون صلاة العشاء تقع بعد جُهد يوم كامل ، ويكون الناس – غالباً – في شِدّة وإجهاد .
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه : فلولا صليت بـ : سبح اسم ربك ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى ، فإنه يُصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة . رواه البخاري ومسلم .
وسبب ذلك أن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي فيؤم قومه ، فصلّى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم أتى قومه فأمّهم ، فافتتح بسورة البقرة ، فانحرف رجل فسلّم ثم صلى وحده وانصرف ، فقالوا له : أنافقت يا فلان ؟ قال : لا والله ، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار ، وإن معاذاً صلى معك العشاء ، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال .

وقد لا يكون من المناسب في هذا الوقت تأخير العشاء إلا أن يكونوا جماعة في مكان واحد ، أو أهل قرية صغيرة ونحو ذلك ، أما في المدن فيصعب ذلك لما فيه من المشقة ، ومراعاة أحوال الناس لرفع الحرج ودفع المشقة

8 = قوله صلى الله عليه وسلم : " والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصليها بغلس " تقدّم في حديث عائشة الكلام على الغلس .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 1:33 pm

شرح الحديث الـ 53

في المواقيت



عن أبي المنهال سيار بن سلامة قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي فقال له أبي : حدّثنا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ؟
فقال : كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ، ويُصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، وكان يستحب أن يؤخِّر من العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ بالستين إلى المائة .

في الحديث مسائل :

1 = لم يكن السؤال عن كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما عن أوقاتها ، وهذا ما فهمه الصحابي .

2 = حرص سلف الأمة على السؤال عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أمورهم ، وفي كل شأن من شؤونهم .
وحرصهم على اصطحاب أبنائهم إلى مجالس العلم ، ولو لم يكن في ذلك إلا تعظيم العِلم في نفوس الأبناء ، وصِلتهم بالعلماء لكفى .
كما أن الرجل إذا اصطحب ابنه – صغيرا كان أو كبيرا – كان ذلك أدعى لتوقير العِلم والعلماء ، والنظر إلى العلماء على أنهم هم القدوات في زمن غابت – أو غُيِّبت – فيه القدوات الصلحة ، وأصبح – في كثير من الأحيان – القدوات هم حثالة المجتمعات من أهل الفن أو الرياضة ، والله المستعان .

3 = قوله " المكتوبة " يعني الصلاة المفروضة ، لقوله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) .

4 = من الأحاديث التي جاء فيها تحديد الأوقات بِدقّـة
ما رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة ، فقال له : صلِّ معنا هذين - يعني اليومين - فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذّن ثم أمره فأقام الظهر ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعةٌ بيضاءُ نقيةٌ ، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر ، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر ، فأبرد بها فأنعم أن يُبرد بها ، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان ، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل ، وصلى الفجر فأسفر بها ، ثم قال : أين السائل عن وقت الصلاة ؟ فقال الرجل : أنا يا رسول الله . قال : وقت صلاتكم بين ما رأيتم .
وفي رواية لمسلم : ثم أمره الغد فنوّر بالصبح ، ثم أمره بالظهر فأبرد ، ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صُفرة ، ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ، ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه .
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ، ووقت العصر ما لم تصفّر الشمس ، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمّنِي جبريل عليه السلام عند البيت مرتين ، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك ، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله ، وصلى بي - يعني المغرب - حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق ، وصلى بي الفجر حين حَرُم الطعام والشراب على الصائم ، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله ، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل ، وصلى بي الفجر فأسفر ، ثم التفت إليّ فقال : يا محمد هذا وقت لأنبياء من قبلك ، والوقت ما بين هذين الوقتين . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .

5 = قوله " حين تدحض الشمس "
يعني حين تزول الشمس عن كبد السماء .
قال ابن الأثير : كأنها دحضت أي زلقت . اهـ .
وقد قال عُقبة بن عامر رضي الله عنه : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب . رواه مسلم .
أي حتى تميل جهة المغرب ، فيبدأ الظل بالتغيّر ، وهو ما يُسمّى بـ " الفـيء " .
وإذا أردت معرفة الزوال فاحسب من طلوع الشمس إلى غروبها ثم اقسمه على 2 ، فصلاة الظهر في منتصف النهار صيفا وشتاء .
وما قبل وقت صلاة الظهر بعشر دقائق تقريبا هو وقت نهي ، والسبب في ذلك أنه وقت تُسجر فيه النار .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْت : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلاةِ ؟ قَال : صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ، ثُمَّ صَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلاةِ ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ . الحديث .
فهذا الحديث دلّ على بداية وقت الظهر ، وهو من حين يُقبل الفيء ، أي يبدأ بالتغيّر جهة الشرق .
كما دلّ هاذا لحديث على أنه لا وقت بين صلاة الظهر وصلاة العصر ، لقوله " فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ " .
فبداية وقت صلاة الظهر هو زوال الشمس عن كبد السماء .
ونهاية وقت صلاة الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله .
وهذا يختلف صيفا وشتاء .
وقياس الظل يُعتبر بما كان عند الزوال ، أي أن ما بقي من ظل العصا – مثلا - عند الزوال يُضاف إلى قياس الظل لمعرفة المثلية هنا .
وتقدّم في حديث عبد الله بن عمرو " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر " .

6 = ووقت صلاة العصر ، من أن يصير ظل كل شيء مثله إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه ، هذا وقت اختيار
وإذا صار ظل كل شيء مثليه بدأت الشمس بالاصفرار .
ومن الاصفرار إلى غروب الشمس وقت اضطرار ، لقوله عليه الصلاة والسلام : من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر . رواه البخاري ومسلم .
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث عبد الله بن عمرو المتقدِّم .
فحديث عبد الله بن عمرو فيه " ووقت العصر ما لم تصفّر الشمس " وفي هذا الحديث بيان أن " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " وهذا كما سبق وقت اضطرار لا وقت اختيار .
فمن نام حتى بقي من الوقت ما يكفي للطهارة ولصلاة ركعة فإنه يؤمر بالصلاة ، ويكون مُدرِكا للوقت .
ولكنه ليس وقت اختيار بحيث تؤخّر الصلاة حتى تصفّر الشمس ، فإن هذا من إماتة الصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخِّرون الصلاة عن وقتها ، أو يميتون الصلاة عن وقتها ؟ قال : قلت : فما تأمرني ؟ قال : صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة . رواه مسلم .
وفي صحيح مسلم أيضا من حديث ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال : إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى ، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها ، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة .
قال النووي : معناه يؤخرونها عن وقتها المختار ، وهو أول وقتها لا عن جميع وقتها . وقوله " يخنُقونها " بضم النون معناه : يُضيِّقون وقتها ويؤخِّرون أداءها ، يُقال : هُم في خناق من كذا ، أي في ضيق ، والمختنق المضيّق . و" شَرَق الموتى " بفتح الشين والراء ، قال ابن الاعرابي : فيه معنيان :
أحدهما : أن الشمس في ذلك الوقت وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة ثم تغيب .
والثاني : أنه من قولهم شرق الميت بريقه إذا لم يبق بعده إلا يسيرا ثم يموت . اهـ .

7 = كان من هديه صلى الله عليه وسلم تعجيل العصر في أول وقتها .
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب مِنّا إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة .
وفي رواية في الصحيحين قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة ، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه .
قال العراقي : وفيه استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها .
وقال : فيه الردّ على من قال : لا يدخل وقت العصر إلا بصيرورة ظل الشيء مثليه ، فإنه لو كان كذلك لما وصل المصلِّي بالمدينة إلى قُباء إلا بعد نزول الشمس . اهـ .
ومعنى " حيَّـة " أي لم تصفرّ .

8 = أما المغرب فقد سبق بيان وقتها في الحديث السابق .
وتبين فيما أوردته من أحاديث أن وقتها موسّع ، وهو من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يُصلّون قبل صلاة المغرب .
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا بالمدينة فإذا أذّن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صُليت من كثرة من يصليهما .
وقال عليه الصلاة والسلام : بين كل أذانين صلاة . رواه البخاري ومسلم . أي بين الأذان والإقامة .
وهذا يعني وجود وقت يسير بين غروب الشمس وبين إقامة صلاة المغرب .

9 = قوله " وكان يستحب أن يؤخِّر من العشاء التي تدعونها العتمة "
لماذا قال : التي تدعونها العَتَمـة ؟
قد جاء النهي عن تسمية العشاء بـ " العَتَمة " في قوله صلى الله عليه وسلم : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء ، وهم يُعتمون بالإبل . رواه مسلم .
والذي يظهر أن النهي للكراهة لورود ذلك عن بعض السلف ، أي تسمية العشاء بالعتمة .

10 = ليس في الحديث بيان لوقت العشاء ، ووقتها من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل .
وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو – وقد تقدّم – قوله صلى الله عليه وسلم :
ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِب الشفق ، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط .
ومعنى هذا أن وقت صلاة العشاء يبدأ من مغيب الشفق الأحمر ، وليس بين وقت المغرب والعشاء وقت فاصل
بمعنى أن وقت المغرب يخرج ويدخل وقت العشاء .
قالت عائشة رضي الله عنها : أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر : الصلاة ! نام النساء والصبيان ، فخرج فقال : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم . قال : ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول . رواه البخاري .

11 = قوله : " وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها "
يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنه مظِنّـة تضييع صلاة العشاء ، فإن من كان يعمل في النهار إذا نام بعد المغرب فاتته العشاء .
ويكره الكلام بعدها لأنه من السهر ! والله المستعان ، أصبح في هذا الزمان الذي لا يسهر يُستغرب حاله !
قال ابن الملقِّن : وكرِه الحديث بعدها أي بعد فعلها ، إما لخشية أن ينام عن صلاة الصبح بسبب سهره أول الليل ، وإما لخشية الوقوع في اللغط اللغو ، وما لا ينبغي أن يَختم به اليقظة ، وهذا العموم يُستثنى منه إذا كان في خير ، كمذاكرة العِلم ونحوه .
وقال : سبب الكراهة بعدها أن الصلاة قد كفّرت خطاياه فينام على سلامة ، وقد خُتِم كتاب صحيفته بالعبادة . اهـ .

12 = قوله : " وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ بالستين إلى المائة "
هل هناك تعارض بين هذا الحديث وبين حديث عائشة " لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي الفجر ، فيشهدُ معه نساءٌ من المؤمنات متلفعاتٌ بِمُرُوطِهنّ ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ، ما يَعرفُهُنّ أحدٌ من الغَلَسِ " ؟
الجواب : لا يوجد تعارض بين الحديثين ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بغلس ، فإذا أطال القراءة انصرفوا والرجل يعرف جليسه ، وإذا لم يُطِل القراءة انصرفوا ولا يعرف أحد الآخر من الغلس .
وأجاب ابن الملقن عن ذلك بقوله :
هذا إخبار عن رؤية جليسِه ، وذلك إخبار عن رؤية النساء مِن بُـعـد . اهـ .
ومعنى ينفتل أي ينصرف .
وسيأتي ما يتعلق بالقراءة طولا وقِصرا في أوانه – إن شاء الله – .
والله تعالى أعلى وأعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 3:12 pm

ح 54 ، 55

في الكلام على الصلاة الوسطى والفائتة


ح 54
عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ، كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس .
وفي لفظ لمسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ثم صلاها بين المغرب والعشاء .

ح 55
وله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس ، أو اصفرت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ، أو قال : حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا .

في الحديثين مسائل :

1 = رواية مسلم الأولى التي أشار إليها المصنف هي عنده بلفظ : ثم صلاها بين العشاءين ، بين المغرب والعشاء
وسيأتي ما فيها من فوائد .

2 = الفرق بين الحديثين :
الحديث الأول فيه تعيين الغزوة التي حُبس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أداء صلاة العصر في وقتها
والثاني : لفظه عام " حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

الحديث الأول فيه النص على أن هذا الشّغل أو الحبس عن صلاة العصر استمر إلى غروب الشمس .
بينما الحديث الثاني على الشك " حتى احمرت الشمس ، أو اصفرت " .

3 = هل بين الحديثين تعـارض ؟
ليس بين الحديثين تعارض أو تناقض ، فالحديث الأول صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه لم يُصلُّوا العصر إلا بعد مغيب الشمس .
ويؤيده ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش قال : يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب . قال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما صليتها ! فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . [ وهذا الحديث سوف يُورده المصنف بعد خمسة أحاديث ، وكان حقه التقديم ] وهو الحديث رقم 61
أما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فهو محمول على ما قارَب مغيب الشمس ، وقد شكّ فيه راويه ، والأول لم يشك فيه رواته .
وفي رواية ابن ماجه لحديث ابن مسعود ، قال : حبس المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى غابت الشمس .
قال ابن دقيق العيد : وقوله : " حتى اصفرت الشمس " قد يتوهم منه مخالفة لما في الحديث الأول من صلاتها بين المغرب والعشاء ، وليس كذلك ، بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب ، كما في الحديث الأول ، وقد يكون ذلك الاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها ، فما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتضٍ لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب .
وقال الحافظ العراقي : وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ بِالْكُـلِّـيَّةِ .

4 = هذا الحديث نصّ على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى ، وقد ساق ابن الملقِّن سبعة عشر قولاً في تعيين الصلاة الوسطى ، وهذا من أعجب ما رأيت من الخلاف !
فالحديث صريح في تعيين الصلاة الوسطى ، والصلوات خمس صلوات ، والأقوال في تعيين الصلاة الوسطى تبلغ هذا العدد ! [ والأقوال مبسوطة في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ، وفي طرح التثريب للعراقي ] .
ولذلك قال ابن دقيق العيد : العلماء اختلفوا في تعيين الصلاة الوسطى ، فذهب أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى إلى أنها العصر ، ودليلهما هذا الحديث مع غيره ، وهو قوي في المقصود ، وهذا المذهب هو الصحيح في المسألة . اهـ .

5 = لماذا أخّـر الصلاة عن وقتها ولم يُصلِّ صلاة الخوف ؟
لأن صلاة الخوف لم تكن شُرِعت من قبل .
قال الإمام النووي :
قوله : " ثم صلاها بين العشاءين ، بين المغرب والعشاء " فيه بيان صحة إطلاق لفظ العشاءين على المغرب والعشاء ، وقد أنكره بعضهم لأن المغرب لا يسمى عشاء ، وهذا غلط لأن التثنية هنا للتغليب ، كالأبوين ، والقمرين ، والعمرين ، ونظائرها . وأما تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف , قال العلماء : يُحتمل أنه أخّرها نسيانا لا عمدا ، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو ، ويُحتمل أنه أخّرها عمدا للاشتغال بالعدو ، وكان هذا عذرا في تأخير الصلاة قبل نزول صلاة الخوف ، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال ، بل يُصلي صلاة الخوف على حسب الحال . اهـ .

6 = قوله : ثم صلاها بين العشاءين ، بين المغرب والعشاء .
هل يدلّ على سقوط الترتيب ؟
جاء الخلاف بين العلماء هل رتّب الصلوات ، فبدأ بالعصر ثم المغرب ، أم أنه صلى المغرب ثم صلى العصر ؟
من نظر إلى هذه الرواية قال : صلى المغرب ثم صلى العصر ، لقوله : " ثم صلاها بين العشاءين " قال بعدم وجوب الترتيب .
قال الإمام العراقي : قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الْفَائِتَةِ بَلْ لَهُ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَلَمْ يُوجِبْ التَّرْتِيبَ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ الأَفْضَلَ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ ، وَيُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ بَيْنَ وَقْتَيْ الْعِشَاءَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ فَبَيْنَ وَقْتِهَا وَوَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَئِذٍ زَمَنٌ صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إخْرَاجُ الْمَغْرِبِ عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الْقَوْلِ بِتَضْيِيقِهِ . وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ قَدْ يُجِيبُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُحْتَمَلَةٌ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ ضَاقَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَخَشَى فَوَاتَهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْعَصْرِ ، فَاحْتَاجَ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَبَدَأَ بِالْمَغْرِبِ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَهِيَ مَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى سُقُوطِ التَّرْتِيبِ فِيهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ أَيْضًا ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَبْدَأُ بِصَاحِبَةِ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ . اهـ .
قال الشيخ السعدي رحمه الله :
وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا مُرَتِّبًا ، فَإِنْ نَسِيَ اَلتَّرْتِيبَ أَوْ جَهِلَهُ , أَوْ خَافَ فَوْتَ اَلصَّلاةِ , سَقَطَ اَلتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اَلْحَاضِرَةِ . اهـ .

7 = وفي الحديث دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا . قاله ابن دقيق العيد .

والله تعالى أعلى وأعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 3:15 pm



حديث 56

في تأخير العشاء


عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعِشاء ، فخرج عمر فقال : الصلاة يا رسول الله ! رقد النساء والصبيان ، فخرج - ورأسه يقطر - يقول : لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة .

في الحديث مسائل :

1 = هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل ، وحتى نام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى ، فقال : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي
وفي رواية لمسلم قالت : أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء ، وهي التي تُدعى العتمة ، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال عمر بن الخطاب : نام النساء والصبيان ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لأهل المسجد - حين خرج عليهم - : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم ، وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس .
وفي رواية لمسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : نَظَرْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كان قريب من نصف الليل ، ثم جاء فصلى ، ثم أقبل علينا بوجهه .
ومعنى ( نَظرنا ) أي انتظرنا .

وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولا في بقيع بُطحان ، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة العشاء كل ليلة نَـفَـرٌ منهم ، فوافقنا النبي عليه الصلاة والسلام أنا وأصحابي وله بعض الشغل في بعض أمره ، فأعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليل ، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ، فلما قضى صلاته قال - لمن حضره - : على رِسلكم ! أبشروا إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيرُكم - أو قال - : ما صلى هذه الساعة أحدٌ غيرُكم ( لا يدري أي الكلمتين قال ) قال أبو موسى : فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن الأثير في " ابهارّ الليل " أي انتصف ، وبُهرة كل شيء وسطه ، وقيل : ابهار الليل إذا طلعت نجومه واستنارت ، والأول أكثر . اهـ .

2 = سبقت الإشارة في حديث أبي برزة رضي الله عنه إلى كراهة تسمية العشاء بـ " العَتمة " ، وأن بعض السلف استعمل هذا التعبير ، بل ورد في بعض الأحاديث ، ومن هنا حمل العلماء النهي على الكراهة .

3 = وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل
وقد تقدّمت الإشارة إلى حديث عبد الله بن عمرو في المواقيت ، وفيه : ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط . رواه مسلم .
هذا وقت الاختيار ، ووقت الاضطرار يمتد إلى طلوع الفجر .

4 = شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ورأفته بهم ، ولذلك قال في هذا الحديث : لولا أن أشق على أمتي

5 = فضل تأخير صلاة العشاء لمن لم يشقّ عليه ، ولم يخش غلبة النوم ، فإن كان منفردا فتأخيرها أفضل ما لم يتجاوز نصف الليل ، وإن كان إماماً راعى حال الناس .

6 = فيه دليل على جواز حضور النساء والصبيان للمساجد ، وحضور صلاة العشاء .
وفي حديث أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة ، فيقرأ بالسورة الخفيفة ، أو بالسورة القصيرة . رواه البخاري ومسلم .

7 = فيه دليل على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء ، وقد تقدّمت هذه المسألة بشيء من التفصيل .

8 = فيه الإشارة إلى قوة عمر رضي الله عنه في الحق ، وهذا معروف في سيرته رضي الله عنه .
ولذلك لما نام النبي صلى الله عليه وسلم لم يجرؤ أحد على إيقاظه ، حتى استيقظ عمر رضي الله عنه فجعل يُكبِّر ، كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 3:17 pm

حديث 57 في

الصلاة عند حضور الطعام
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة وحضر العَشاء فابدؤوا بالعَشاء .
وعن ابن عمر نحوه .

في الحديث مسائل :

1 = من روايات الحديث :
في رواية للبخاري : إذا وُضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء .
وفي حديث أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قُدِّم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث أنس هذا التنصيص على أن المقصود بالصلاة هي صلاة المغرب .
وحديث ابن عمر الذي أشار إليه المصنف رواه البخاري ومسلم مختَصراً بلفظ :
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وُضِع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ، ولا يعجل حتى يفرغ منه . وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ ، وإنه ليسمع قراءة الإمام .

2 = لماذا يُقدَّم الطعام هنا على الصلاة ؟
لأجل أن يُصلي وهو حاضر القلب .
قال الإمام البخاري :
باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة ، وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء ، وقال أبو الدرداء : مِنْ فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقبل على صلاته وقلبه فارغ .

3 = هل حضور الطعام عُذر في التخلّف عن صلاة الجماعة ؟
حضور الطعام ليس عُذرا في التخلّف عن صلاة الجماعة ، وإنما يُرخّص لمن كانت نفسه تتوق إلى الطعام ، كأن يكون جائعا ويوضع الطعام ، لا أنه يتعمّد وضع الطعام عند الإقامة ، ليتخلّف عن صلاة الجماعة .
والطعام الذي يُرخّص لصاحبه في التخلّف عن صلاة الجماعة ، ما كانت تتوق النفس إليه وينشغل الذهن به ، ويكون مَقدورا على تناوله .
وفي حديث أنس رضي الله عنه ما يُفيد ذلك ، فقد جاء فيها أن المقصود بالصلاة : صلاة المغرب ، وجاء في بعض روايات الحديث : إذا وُضع العَشاء وأحدكم صائم ، فابدؤا به قبل أن تُصلّوا .
قال ابن الملقِّن : ينبغي أن يدور الحُـكم مع العلّة وجودا وعدماً ، فحيث أمِـنّـا التشويش قُدِّمت الصلاة .
ويدلّ على ما ذهب إليه ابن الملقن ما رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن أمية أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة في يده ، فدُعي إلى الصلاة فألقاها والسكين التي كان يحتزّ بها ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة وترك الطعام .

4 = هل تصحّ صلاة من صلّى ونفسه تتوق إلى الطعام ؟
الجمهور على صحة صلاته ، وهم يُفرِّقون بين الصحة والكمال
فمن صلى ونفسه تتوق إلى الطعام فصلاته صحيحة مُجزئة مُسقطة الطلب عنه ، إلا أن الأكمل أن يُصلي بحضور قبله .

5 = الإسلام دين الكمال ، فهو يوازن بين متطلّبات الروح وبين متطلّبات الجسد .

6 = ليس في الحديث دليل على عدم وجوب صلاة الجماعة ، ولكن فيه أن حضور الطعام يُعتبر من الأعذار ، على التفصيل المتقدِّم .
والله تعالى أعلى وأعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 3:20 pm

حديث 58

في مدافعة الأخبثين

ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان .

في الحديث مسائل :

1 = في الحديث قصة ، فقد روى مسلم عن ابن أبي عتيق قال : تحدثت أنا والقاسم عند عائشة رضي الله عنها حديثا ، وكان القاسم رجلا لحّانة ، وكان لأم ولد ، فقالت له عائشة : ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا ؟ أما إني قد علمت من أين أتيت هذا ، أدبته أمه ، وأنت أدّبتك أمك . قال : فغضب القاسم ، وأضب عليها ، فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام . قالت : أين ؟ قال : أصلي . قالت : اجلس . قال : إني أصلي . قالت : اجلس غُدر ! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان .

2 = قال الأُبِّـي في إكمال إكمال الْمُعلِم :
قوله : "ولا هو يُدافعه الأخبثان " أي البول والغائط .
وخرّجه شارع المصابيح على وجهين : أحدهما :
أن الأولى لنفي الجنس وبحضرة الطعام خبرها ، والثانية زائدة للتأكيد ، والواو عُطِفت على الجملة ، وهو مبتدأ ، ويُدافعه : الخبر ، وفي الكلام حذف والتقدير : ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان .
والثاني أن تكون (لا) حُذِف اسمها وخبرها ، وقوله : (وهو يدافعه ) حال ، أي : ولا صلاة لِمُصَلٍّ وهو يدافعه الأخبثان .
قال القاضي عياض : وهو مثل نهيه عن صلاة الحاقن وذلك لشغله بها ، ثم اختُلِف فقال مالك : إنْ شَغَلَه ذلك فأحبّ إليّ أن يعيد أبدا ، و اختَلَف أصحابه في معنى شَغَلَه ، فقيل : معناه أن يَعْجَل لأجله ، وتأوّل بعض أصحابه معنى شَغَلَه أن يصلي ولا يدري كيف صلى ، وأما إنْ شَغَلَه ولم يَمْنعه من إقامة حدودها وصلاّها ضامّـاً لِوَرْكيه فهذا يُعيد في الوقت . وقال أبو حنيفة والشافعي : لا إعادة عليه . وكّلهم مُجمِع على أنه إنْ بَلَغ به ما لا يعقل معه ويضبط حدودها أنه لا يُجزيه ، ويقطع الصلاة ، ولا يدخلها على تلك الحال . انتهى كلامه رحمه الله .

3 = سبق التفصيل في هذه المسألة في شرح الحديث الـ 57 وفيه إنه إذا أُمِـن التشويش صحّت الصلاة ولا إعادة .
والله تعالى أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 3:23 pm

حديث 59 ، 60
في أوقات النهي
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال شهد عندي رجال مَرْضِيُّون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب .
وما في معناه من الحديث .

رواية مسلم : قال ابن عباس رضي الله عنهما : سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب ، وكان أحبَّهم إلي .
وفي رواية للبخاري : نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تُشرق الشمس .

ح 60
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس .
قال المصنف : وفي الباب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وسمرة بن جُندب وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت ومعاذ بن عفراء وكعب بن مرة وأبي أمامة الباهلي وعمر بن عَبَسة السُّلمي وعائشة رضي الله عنهم ، والصنابحي ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم .

في الحديثين مسائل :
1 = فيهما الرد على الرافضة الذين يُفرِّقون بين الصحابة ، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول عن عمر رضي الله عنه : وكان أحبَّهم إلي .
ويقول : شهد عندي رجال مَرْضِيُّون - وأرضاهم عندي عمر - .

وبقِّيت مسائل الصلاة في أوقات النهي في بحث سابق :
http://saaid.net/Doat/assuhaim/b/2.htm
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 4:53 pm

حديث 62

في فضل صلاة الجماعة

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة .

في الحديث مسائل :

1 = بوّب عليه المصنف ( باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها )
وقد عقد الإمام البخاري بابا فقال :
باب وجوب صلاة الجماعة
قال الحافظ ابن حجر : هكذا بت الحكم في هذه المسألة ، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده . اهـ .

2 = فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد .
وسيأتي في الحديث الذي يليه أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة ، وسيأتي هناك الجمع بين الحديثين .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله ما تفضل به صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ، فَذَكَرَ أكثر من عشرين خصلة .
قال رحمه الله :
فأولها : إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة
والتبكير إليها في أول الوقت
والمشي إلى المسجد بالسكينة
ودخول المسجد داعيا
وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة
سادسها : انتظار الجماعة
سابعها : صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له
ثامنها : شهادتهم له
تاسعها : إجابة الإقامة
عاشرها : السلامة من الشيطان حين يفرّ عند الإقامة
حادي عاشرها : الوقوف منتظرا إحرام الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها
ثاني عشرها : إدراك تكبيرة الإحرام كذلك
ثالث عشرها : تسوية الصفوف وسدّ فرجها
رابع عشرها : جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده
خامس عشرها : الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه
سادس عشرها : حصول الخشوع والسلامة عما يلهى غالبا
سابع عشرها : تحسين الهيئة غالبا
ثامن عشرها : احتفاف الملائكة به
تاسع عشرها : التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض
العشرون : إظهار شعائر الإسلام
الحادي والعشرون : إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل
الثاني والعشرون : السلامة من صفة النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسا
الثالث والعشرون : رد السلام على الإمام
الرابع والعشرون : الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص
الخامس والعشرون : قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه ، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما :
الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها ، والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة . اهـ .

ويُمكن أن يُضاف عليها أنه كلما زاد عدد الجماعة كان أكثر في الأجر ، لقوله عليه الصلاة والسلام : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

وتختصّ بعض المساجد والجماعات بخصائص ليست لغيرها ، كما يختص الحرم النبوي بأن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة .
وتختص بعض المساجد أو الجوامع بأنه يُصلى فيها على الجنائز ، فيكون أعظم للأجر .

كما أن انتظار الصلاة بعد الصلاة أفضل ممن يُصلي ثم ينصرف .
لقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام . رواه البخاري ومسلم .

3 = هل في هذا الحديث دليل على عدم وجوب صلاة الجماعة ؟
عندما نقول فضل صلاة الجماعة ، هل في هذا القول نفيٌ للوجوب ؟
الجواب : لا
كما نقول : فضل من غضّ بصره عن الحرام ، أو فضل من ترك المحرّمات لله ، كما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار ، وأن أحدهم تقرّب إلى الله باستعفافه عن الحرام ، والحديث في الصحيحين .
وكما ورد في الأحاديث فضل صيام رمضان ، وأن من صامه إيمانا واحتسابا أنه يُغفر له ، كما في الصحيحين فهذا لا يعني عدم وجوب الصيام .
والترغيب قد يرد في فعل الواجبات .
فمثل هذا اللفظ لا يدل على عدم وجوب صلاة الجماعة .
والأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة كثيرة ، وسيأتي الحديث عنها – إن شاء الله – في شرح الحديث 64

4 = الـفـذّ : تعني المنفرد .
وهل صلاة المنفرد على الإطلاق أو مخصوصة بعدم العذر ؟
الذي يظهر من الأحاديث أن المعذور يحصل له أجر الجماعة
ويدلّ على ذلك أحاديث منها :
حديث أبي موسى مرفوعاً : إذا مرض العبد أو سافر كُـتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا . رواه البخاري .
وحديث أبي هريرة مرفوعاً : من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم خرج عامداً إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا كتب الله له مثل أجر من حضرها ، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وحسّنه الألباني .
والمِثلـيّـة لا تقتضي المساواة ، وهذا في المعذور لا في المتكاسل المتهاون .
ويُستفاد من هذين الحديثين أن المعذور يُكتب له مثل ما يُكتب له حال ارتفاع العُذر .
فمن كان مُحافِظاً على صلاة الجماعة فإنه يُكتب له أجر الجماعة إذا سافر أو مرِض .

ولذلك كان السلف يحرصون على الجماعة
وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر
وجاء أنس إلى مسجد قد صُلي فيه فأذّن وأقام وصلى جماعة .
علقهما الإمام البخاري في صحيحه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 4:56 pm

حديث 63

في مُضاعفة أجر صلاة الجماعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا ، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوُضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يَخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة وحُطّ عنه بها خطيئة ، فإذا صلى لم تزل الملائكة تُصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صلِّ عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة .

في الحديث مسائل :

1 = في بعض نُسخ العمدة : اللهم صلِّ عليه ، اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه .
وهذا اللفظ " اللهم اغفر له " جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يُحدِث تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه . رواه البخاري .

2 = في رواية لمسلم :
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة . قال : وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر . قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : ( وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) .

3 = اختُلِف اختلافا كبيرا على الدرجات ، وعلى التفاضل والتفاوت فيما بينها
ففي حديث ابن عمر " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة "
وفي حديث أبي هريرة هذا " صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا "
وفي حديث أبي سعيد مرفوعا : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة . رواه البخاري .
وذكر ابن الملقِّن أوجها كثيرة في سبب هذا الاختلاف
ورجّح الحافظ ابن حجر الفرق بين الصلاة السرية والجهرية ، فقال : السبع مختصة بالجهرية ، والخمس بالسرية ، وهذا الوجه عندي أوجهها . اهـ .
وقال الشيخ ابن باز : والأظهر عموم الحديث لجميع الصلوات الخمس . اهـ .
والذي يظهر أن هذا التفاوت بين السبع والعشرين والخمس والعشرين هو تابِع لتفاضل الجماعة وما يحتف بالصلاة فمن ذلك :
ما جاء في حديث الباب نفسه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذَكَر التفاضل قال : " وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوُضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة " ففي هذا القدر زيادة بيان سبب المضاعفة بالسبع والعشرين درجة ، وإذا انتفى هذا القدر نقص الأجر .
وذلك أن من يخرج من بيته متطهِّراً للصلاة لا يُخرجه إلا الصلاة ، وأدرك تكبيرة الإحرام أنه يفضل من لم يفعل ذلك .
كما أن إحسان الوضوء يفضل من لم يُحسن الوضوء ، ولذا لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فقرأ فيهما بالروم ، فالتبس عليه في القراءة ، فلما صلى قال : ما بال رجال يحضرون معنا الصلاة بغير طهور ؟ أولئك الذين يلبّسون علينا صلاتنا ، من شهد معنا الصلاة ، فليحسن الطهور . رواه الإمام أحمد .
وأن من أحسن الطهور غُفِر له فيفضل بذلك من لم يفعل ذلك ، ويكون بينهما هذا التفاوت .
وفي حديث عثمان رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأحسن الوضوء ، ثم قال: من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة غُفِر له ما خلا من ذنبه . رواه مسلم . وأصله في الصحيحين .
كما أن في هذا الحديث فضل من ينتظر الصلاة ، فيُمكن أن يكون من يُصلي وينتظر الصلاة أو يبقى في مصلاه أنه يفضل من صلى ثم خرج ، وتقدّم في الحديث السابق قوله عليه الصلاة والسلام : أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام . رواه البخاري ومسلم .

4 = واختلفوا أيضا في الدرجة والجزء ، وهل هي بمعنى واحد أو لا .
والذي يظهر أنهما بمعنى واحد ، والمقصود مُضاعفة صلاة الجماعة على صلاة الفرد بهذا القدر
ففي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا : صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده .
وهذا يعني أن صلاة المصلِّي في جماعة أفضل من صلاة المنفرد لو صلّى سبعا وعشرين مرة .
قال أبو القاسم البغوي : سمعت عبيد الله القواريري يقول : لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة ، فنـزل بي ضيف فشغلت به ، فخرجت اطلب الصلاة في قبائل البصرة ، فإذا الناس قد صلوا ، فقلت في نفسي يُروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة ، وروي خمسا وعشرين درجة ، وروي سبعا وعشرين ، فانقلبت إلى منـزلي فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة ، ثم رقدت فرأيتني مع قوم راكبي أفراس وأنا راكب ونحن نتجارى ، وأفراسهم تسبق فرسي ، فجعلت أضربه لألحقهم فالتفت إليّ آخرهم فقال : لا تجهد فرسك فَلَسْتَ بِلاحِقنا ! قال : فقلت : ولِمَ ؟ قال : لأنا صلينا العتمة في جماعة .

5 = هل في هذا الحديث الإذن في الصلاة في السوق أو في البيت ؟
الجواب : لا
ولكن من فاتته الصلاة فصلّى في بيته أو في سوقـه فإنه لا يُدرك هذه الدرجات .

6 = هل يُشرع للذاهب إلى الصلاة أن يُقارِب أو يُسارع الخُطى ؟
يرى بعض العلماء أن المشي المعتاد أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . رواه البخاري ومسلم .
وروى عبد الرزاق في المصنف عن ثابت البناني قال : أقيمت الصلاة وأنس بن مالك واضع يده عليّ قال فجعلت أهابه أن أرفع يده عني وجعل يقارب بين الخطى ، فانتهينا إلى المسجد وقد سبقنا بركعة وقد صلينا مع الإمام وقضينا ما كان فاتنا ، فقال لي أنس بن مالك : يا ثابت اعمل بالذي صنعت بك . قلت : نعم .قال : صنعه بي أخي زيد بن ثابت .
ورواه البيهقي في الشعب عن ثابت قال : مشينا مع أنس فجعل يقارب بين الخطى . قال : يا ثابت لِمَ لا تسألني لم أفعل بك هذا ؟ قال : ولم تفعله ؟ قال : إني مشيت مع زيد بن ثابت ففعل بي مثل هذا ، ثم قال : لِمَ لا تسألني لِمَ أفعل . قال : أردت أن تكثر خطاي للمسجد . وفي رواية له : ليكون أكثر لِخُطانا .
وروى أبو داود الطيالسي قول ابن مسعود رضي الله عنه : من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً - وزاد في آخره - ومن توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامـدا إلى المسجد كتب الله لـه بكل خطوة حسنة ، ورفع له بـها درجة ويكفر عنه بـها خطيئة ، وإنا لنقارب بين الخطى .
وأصل قول ابن مسعود في صحيح مسلم .
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي : وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه الطبراني في الكبير قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نريد الصلاة فكان يقارب الخطى ، فقال : أتدرون لم أقارب الخطى ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : لا يزال العبد في الصلاة ما دام في طلب الصلاة . وفيه الضحاك بن نبراس وهو ضعيف ، ورواه موقوفا على زيد بن ثابت ورجاله رجال الصحيح كذا في مجمع الزوائد . اهـ .
فهذه الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم تدل على أن مقاربة الخطى واردة . والله أعلم .

7 = فضل المشي إلى المساجد ، وذلك أن من مشى إلى الصلاة " لم يَخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة وحُطّ عنه بها خطيئة " .

8 = معنى صلاة الملائكة .
أي دعاء الملائكة لمن صلى وجلس في مُصلاه ما لم يُحدِث أو يخرج من المسجد .
قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة ، وصلاة الملائكة الدعاء . علّقه البخاري .

9 = فضل انتظار الصلاة ، وأن من انتظر الصلاة فهو في حُكم المصلّي ، فلا يُشبِّك بين أصابعه ، والأفضل أن يشتغل بِذِكر الله وقراءة القرآن إن كان يُحسن قراءة القرآن .

والله تعالى أعلى وأعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:00 pm

الحديث الـ 64

في حكم التخلّف عن صلاة الجماعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أثقل صلاة على المنافقين : صلاة العشاء وصلاة الفجر ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار .

في الحديث مسائل :

1 = من روايات الحديث :
في رواية للبخاري : ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثم آمر رجلا يؤم الناس ، ثم آخذ شعلا من نار فأحرّق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد .
وفي رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال : لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها . يعني صلاة العشاء .
ورواية مسلم لحديث الباب بلفظ : إن أثقل صلاة على المنافقين .
( صلاة ) بالإفراد والتنكير في رواية البخاري ومسلم .
وفي بعض نُسخ العمدة ( أثقل الصلاة ) وفي بعضها ( أثقل الصلوات ) .
وفي المسند وعند أبي داود من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الصبح فقال : أشاهد فلان ؟ قالوا : لا . قال : أشاهد فلان ؟ قالوا : لا . قال : إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الرُّكب .

2 = جاء في الكتاب العزيز ثِقَل الصلوات على المنافقين في قوله تعالى : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى )
وفي هذا الحديث أن أثقل صلاة على المنافقين هي العشاء والفجر .
فكيف يُجمع بينهما ؟
الجواب :
أن جميع الصلوات ثقيلة على المنافقين ، والعشاء والفجر أثقل من سائر الصلوات .
ألا ترى أن المحافظة على الصلوات الخمس من أسباب دخول الجنة ، بينما جاء النصّ على فضل العصر والفجر ؟
كما في قوله صلى الله عليه وسلم : من صلى البَرْدَين دخل الجنة . رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى .
وهذا لا يعني أن من لم يُصلِّ سوى العصر والفجر دخل الجنة ، ولكنه يعني أن مَن حافظ على البردين فهو لما سواهما أحفظ .

3 = صلاة الفجر مقياس الإيمان عند السلف .
قال ابن عمر رضي الله عنهما : كنا إذا فقدنا لإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن . رواه ابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ورواه البيهقي في الكبرى .
لكن لا يُستعجل في الحُـكم على من تخلّف عنها ، فقد يكون تخلّفه لعذر .
بمعنى أنه قد يكون معذورا في التخلّف عن صلاة الجماعة .
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده ، فقالت : يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ، ويفطرني إذا صمت ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس . قال وصفوان عنده ، فسأله عما قالت ؟ فقال : يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت ، فإنها تقرأ بسورتين ، وقد نهيتها . قال : فقال : لو كانت سورة واحدة لكفت الناس ، وأما قولها يفطرني ، فإنها تنطلق فتصوم ، وأنا رجل شاب فلا أصبر ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ : لا تصوم امرأة إلا بأذن زوجها ، وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك ، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس . قال : فإذ استيقظت فصلّ . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبادِر صفوان بالحُـكم عليه بالنفاق لمجرّد تخلّفه عن صلاة الفجر .

4 = في الحديث بيان أن المنافقين كانوا يُصلُّون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحُـكِـمَ بنفاقهم .
فكيف بمن لا يُصلِّي أصلاً ؟!

5 = قوله صلى الله عليه وسلم : " ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا " أي لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوا إلى الصلوات حبوا ولو على الرُّكَب ، كما في حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه .
وهذا دالٌّ على عِظم أجر صلاتي العشاء والفجر ، لما فيهما من المشقّة .
وفي حديث أبي هريرة – المتفق عليه – : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا .

6 = معنى " ولو حبواً "
قال صاحب العين : حبا الصبي يحبوا حبوا زحف . قال ابن دريد : إذا مشى على أسته وأشرف بصدره . وقال الحربي : مشى على يديه . نقله القاضي عياض .

7 = قوله صلى الله عليه وسلم : " ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس " فيه جواز الاستنابة في الإمامة للحاجة .
وفيه جواز التخلّف عن الجماعة للمصلحة ، كأن يتخلّف المحتسِب على المتخلِّفين عن صلاة الجماعة .

8 = الهمّ دون العَزم
قال الخطابي في غريب الحديث : وأصل العزم القوة . قال تأبط شرا :
وكنت إذا ما هممت اعتزمت وأولى إذا قلت أن أفعلا
وقال القاضي عياض : قوله " إذا هم أحدكم بأمر " أي قصده واعتمده بهمته ، وهو بمعنى عزم .
وقال الجرجاني في التعريفات : الهمّ هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر .

9 = سبب عدول النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاع هذه العقوبة ؟
في رواية لأحمد : لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار .

10 = العقوبات المالية
هل يُعاقب أو يُعزّر بالمال ؟
إذا كان يجوز أن يُعزّر بالقتل ، فالمال لا شك أنه دون النّفس ، فيُمكن أن يُعزّر به .
وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ، ولا يفرق إبل عن حسابها ، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا عز وجل . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
قال ابن القيم : وقد قال علي بن المديني حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح ، وقال الإمام أحمد : بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده صحيح . وليس لمن ردّ هذا الحدث حجة ، ودعوى نسخه دعوى باطلة إذ هي دعوى ما لا دليل عليه ، وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت نسخها بحجة ، وعَمِلَ بها الخلفاء بعده .
وقال أيضا في فوائد أقضيته صلى الله عليه وسلم : إثبات العقوبات المالية ، وفيه عِدة سنن ثابتة لا معارض لها ، وقد عمل بها الراشدون وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وأكثر من عمل بها عمر رضي الله .
وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر عِدّة أمثلة في التعزير بالمال ، فقال : ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر ، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة ، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام ، وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل ، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبى وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس ، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرّقه عليه ، فذهب فحرقه عليه ، وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ، ونظائرها متعددة .
ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلِط على مذهبهما ، ومن قاله مطلقا من أي مذهب كان فقد قال قولا بلا دليل ، ولم يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضى أنه حرّم جميع العقوبات المالية ، بل أخْذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه ، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث ، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن القعوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى ما يوافق الشرع والى ما يخالفه ، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما ، والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة ، وهذا شأن كثير ممن يُخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة إلا مجرد دعوى النسخ ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر : أهل المدينة يَرَون العقوبات المالية مشروعة حيث مضت بها سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين ، كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة ، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم وادعوا أنها منسوخة ومن أين يأتون على نسخها بحجة ، وهذا يفعلونه كثيرا إذا رأوا حديثا صحيحا يُخالف قولهم ، وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية ؛ مثل كسر دنان الخمر وشق ظروفها وتحريق حانوت الخمار ، كما صنع موسى بالعجل وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام ، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين ... إلخ .
وحديث عبد الله بن عمرو الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين ، فقال : أأمك أمرتك بهذا ؟! قلت : أغسلهما . قال : بل أحرقهما .
وقال النووي : قال بعضهم : في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال ، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية ، وقال غيره : أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالّ من الغنيمة ، واختلف السلف فيهما ، والجمهور على منع تحريق متاعهما . اهـ .
وقال الحافظ العراقي : فِيهِ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ " نُحَرِّقُ بُيُوتًا " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ بِالْمَالِ مَنْسُوخَةٌ بِنَهْيِهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَقَدْ يُقَالُ : هَذَا مِنْ بَابِ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَفُونَ فِي مَكَان لا يُعْلَمُ فَأَرَادَ التَّوَصُّلَ إلَيْهِمْ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ . اهـ .
والتعليل بالمنع من العقوبات المالية بإضاعة المال لا يستقيم ؛ لأن الذي نهى عن إضاعة المال هو الذي أمر بالعقوبات المالية .
ودعوى النسخ لا يُسلَّم بها ، وقد سبق تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الأمر .

11 = هل يجوز التحريق بالنار ؟
روى البخاري من طريق عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق قوما ، فبلغ ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأُحرِقت ، فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ؟

12 = فيه دليل على وجوب صلاة الجماعة
قال الإمام النووي :
هذا مما استدل به من قال الجماعة فرض عين ، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبي ثور وابن خزيمة وداود . وقال الجمهور : ليست فرض عين ، واختلفوا هل هي سنة أم فرض كفاية ؟
وأجابوا عن هذا الحديث بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين ، وسياق الحديث يقتضيه ، فإنه لا يُظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مسجده ، ولأنه لم يحرق بل همّ به ثم تركه ، ولو كانت فرض عين لما تركه . اهـ .
والصحيح وُجوب صلاة الجماعة على غير أهل الأعذار لأحاديث كثيرة ، منها قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر . رواه ابن ماجه .
قال الترمذي : وقال بعض أهل العلم : هذا على التغليظ والتشديد ، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر . اهـ .
نعم هي ليست فرض عين ؛ لأن فرض العين لا يُعذر أحد بتركه ، وصلاة الجماعة تسقط بالعُذر .
ومن الأدلة الدالة على وجوب حضور الجماعة ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرخِّص له فيُصلي في بيته ، فرخّص له ، فلما ولّى دعاه ، فقال : هل تسمع النداء بالصلاة ؟ فقال : نعم . قال : فأجب .

13 = " فِيهِ تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَسِرُّهُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِالأَهْوَنِ مِنْ الزَّوَاجِرِ اُكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الأَعْلَى " قاله الحافظ العراقي .
وهذه يؤخذ منها درس في التربية ، في تربية الأولاد ، وفي تربية الطلاّب أو الطالبات ، فيُقدّم الوعيد على مَن فعل كذا – مثلاً – ولكن تؤخّر العقوبة وتُرجى ، ويُجعل مكانها العفو .
والله تعالى أعلى وأعلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:05 pm



الحديث الـ 65
في خروج النساء إلى الصلاة


عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها .
قال : فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن .
قال : فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ، ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟
وفي لفظ لمسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله .

في الحديث مسائل :

1 = معنى الاستئذان
هو طَلَب الإذن والسماح

2 = فيه إشارة إلى عِظم حق الزوج ، وأن المرأة لا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها حتى ولو كان هذا الخروج إلى الصلاة .

3 = هل للزوج منع زوجته من الخروج للمساجد عند فساد الزمان أو خشية الفتنة ؟
للزوج منع زوجته من الخروج للمساجد إذا وُجِد الفساد ، أو خُشي من الفتنة
قالت عائشة رضي الله عنها : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما مُنعت نساء بني إسرائيل . قال يحيى بن سعيد : قلت لِعَمْرَة : أو مُنعن ؟ قالت : نعم .
وإنما مُنعت نساء بني إسرائيل من المساجد لما أحدثن وتوسعن في الأمر من الزينة والطيبِ وحسنِ الثياب . ذكره النووي في شرح مسلم .
قال ابن المبارك : أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين ، فإن أبَت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطهارها ولا تتزين ، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك .
وعند الإمام أحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تفلات .
أي غير مُتطيِّبات ولا متزيِّنات .
وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة .
وعنده أيضا من حديث زينب امرأة عبد الله قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا .
ولما تزوّج الزبير رضي الله عنه عاتكة بنت زيد أرادت أن تخرج إلى العشاء فشقّ ذلك على الزبير ، فلما رأت ذلك قالت : ما شئت ! أتريد أن تمنعني ؟ فلما عِيل صبره خرجت ليلة إلى العشاء فسبقها الزبير ، فقعد لها على الطريق من حيث لا تراه ، فلما مرت جلس خلفها فضرب بيده على عجزها فنفرت من ذلك ، ومضت ، فلما كانت الليلة المقبلة سمعت الأذان فلم تتحرك ، فقال لها الزبير : مالَكِ ؟ هذا الأذان قد جاء ! فقالت : فَسَدَ الناس ، ولم تخرج بعد . ذكره ابن عبد البر في التمهيد وفي الاستيعاب وابن حجر في الإصابة .

4 = شِدّة غضب الصحابة عند مُخالفة السنة
فابن عمر رضي الله عنهما غضب واشتد غضبه ، وسبّ ابنه سباً شديداً لمخالفته السنة ، فهو يُنكر عليه أنه يُحدِّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والابن يقول برأيه ، أي أن الابن عارَض قول النبي صلى الله عليه وسلم برأيه .
والأمثلة على هذا كثيرة .
وأُخِذ منه تأيب العالِم للمتعلِّم بمثل هذا إذا اقتضت الحاجة .

5 = استجابة الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك
فعن ابن عمر قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد ، فقيل لها : لِمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ قالت : وما يمنعه أن ينهاني ؟ قال : يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله . رواه البخاري .

6 = شروط خروج المرأة إلى المساجد
قال ابن الملقِّن :
وقال بعض العلماء : لا تخرج إلا بخمسة شروط :
1 – أن يكون ذلك للضرورة .
2 – أن تلبس أدنى ثيابها .
3 – أن لا يظهر عليها الطيب ، وفي معناه البخور .
4 – أن يكون خروجها في طرفي النهار .
5 – أن تمشي في طرفي الطريق .
وهذا الأخير دليله قوله عليه الصلاة والسلام للنساء : استأخرن فأنه ليس لكن أن ُتحققن الطريق ، عليكن بحافّات الطريق . رواه أبو داود .
ثم قال ابن الملقِّن :
وزاد بعضهم :
أن لا تكون ممن يُفتن بها .
وأن لا تكون ذات خلخال يُسمع صوته ، وفي معناه الحذاء الصرصر ، والإزار المقعقع الذي يوجب رفع الأبصار إليها بسببه . اهـ .

7 = فيه دلالة على استقرار المرأة في بيتها ، وأن لا تَخرج منه إلا لمصلحة شرعية ، وان ترجع إليه بعد فراغها منه . قاله ابن الملقِّن .
والله تعالى أعلى وأعلم .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:10 pm

الحديث الـ 66 ، 67

في نوافل الصلاة
حديث 66
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر ، وركعتين بعد الجمعة ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء .
وفي لفظ : فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته .
وفي لفظ للبخاري : أن ابن عمر قال : حدثتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر ، وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها .

في الحديث مسائل :

1 = مِن روايات الحديث :
في رواية للبخاري :
قال ابن عمر : حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب في بيته ، وركعتين بعد العشاء في بيته ، وركعتين قبل صلاة الصبح - كانت ساعة لا يُدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها - حدثتني حفصة أنه كان إذا أذّن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين .

2 = حديث ابن عمر هذا لم يستوعب السنن الرواتب ، فلم يُذكر فيه سوى ثماني ركعات من السنن الرواتب
كما ذُكِر فيه الصلاة بعد الجمعة ، وهي ليست من السُنن الرواتب ، وإنما هي مستقلة ، وسيأتي مزيد بيان فيما يتعلق بالجمعة في أبواب الجمعة – إن شاء الله – .
ووردت أحاديث أخرى في السنن الرواتب
ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَـنْ ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة : أربعا قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ، وركعتين قبل الفجر . رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه .
ومعنى ثابر : أي حافظ وداوم عليها
وفي حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بُني له بيت في الجنة . رواه مسلم .
وهذا وإن كان لفظه عاماً إلا أن من صلى السن الرواتب وحافَظَ عليها دخل في هذا الوعد .

3 = وردت نوافل غير ما ذُكِر في حديث الباب منها :
" أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء " رواه أبو داود .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال : أنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح . رواه الترمذي .
ومن نوافل الصلاة ؛ صلاة أربع ركعات قبل صلاة العصر
قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعا . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .
ومنها أيضا صلاة ركعتين بين كل أذان وإقامة لقوله صلى الله عليه وسلم : بين كل أذانين صلاة - قالها ثلاثا - قال في الثالثة : لمن شاء . متفق عليه .
ومنها صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب
قال أنس – رضي الله عنه – : وكنا نصلي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب . متفق عليه .
وقال – رضي الله عنه – : كنا بالمدينة فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صُليت من كثرة من يصليهما . رواه مسلم .

4 = فضل السنن الرواتب وفائدتها
فمن فوائدها :
1 - أنها مما تُنال به محبة الله ، كما في حديث أبي هريرة وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . رواه البخاري .
2 – أنها مما يُسد بها خلل ونقص الصلاة المفروضة .
كما في قوله عليه الصلاة والسلام : إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة . قال : يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم - : انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها ؟ فإن كانت تامة كُتبت له تامة ، وإن كان انتقص منها شيئا قال : انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

5 = الأفضل في صلاة النوافل عموما أن تكون في البيوت ؛ لما في ذلك من الفوائد الكثيرة ، ومنها :
أ – أنه أقرب إلى الإخلاص ، ولذا فإن الأفضل للمصلي أن يُصلي السنن حيث لا يراه الناس لقوله عليه الصلاة والسلام : أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة . رواه البخاري ومسلم .
ورواه أبو داود بلفظ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة .
وقال صلى الله عليه وسلم : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس ، كفضل المكتوبة على النافلة . رواه الطبراني في الكبير ، وهو في صحيح الترغيب .
ويُستثنى من ذلك صلاة التراويح والتهجد لورود النص في الصلاة مع الإمام حتى ينصرف .
ب – أن لا تُشبّه البيوت بالمقابر التي لا يُصلى فيها ، لقوله عليه الصلاة والسلام : اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا . رواه البخاري ومسلم .
جـ - أن يكون الإنسان قدوة لأهل بيته ، فيقتدي به الصبيان ويرونه يُصلي فيُصلّون معه .
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته ، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا . رواه مسلم .

6 = الصلاة بعد الجمعة سُنة وليست من السنن الرواتب
ففي رواية للبخاري لحديث الباب :
وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين .
وفي رواية لمسلم بلفظ :
فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته .
7 = السنة للمسافر أن لا يُصلي السنن الرواتب عدا راتبة الفجر ، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر . يعني به السنة الراتبة ؛ لأن ابن عمر نفسه روى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم النافلة في السفر على الراحلة كما عند البخاري ومسلم ، ويُستثنى من ذلك راتبة الفجر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركها في سفر ولا في حضر .

ح 67
عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر .
وفي لفظ لمسلم : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها .

في الحديث :
1 = تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم لراتبة الفجر ، فكان لا يتركها في حضر ولا في سفر .
وهذا يدل على تأكيدها ، فهي من السنن الراتبة ، وهي من السنن المؤكَّدة .
وفي رواية للبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ، ثم صلى ثماني ركعات ، وركعتين جالسا ، وركعتين بين النداءين ، ولم يكن يدعهما أبدا .

2 = فضل راتبة الفجر ، وهي التي يُطلق عليها في بعض الأحاديث : ركعتي الفجر ، وتُسمى الرغيبة .

3 = جاء عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر .

4 = قوله : " خير من الدنيا وما فيها " ليس المقصود بـ ( الدنيا ) دنيا الشخص نفسه ، ولكنه العموم ، أي خير من الدنيا من أولها وآخرها ، وهو يدلّ على عِظم أجر هاتين الركعتين .
ويدلّ على فضل راتبة الفجر ، وعظيم أجرها .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُخفف راتبة الفجر ، حتى قالت عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول : هل قرأ بأم الكتاب . رواه البخاري ومسلم
وثبت أنه كان يُخفف القراءة في راتبة الفجر .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما ( قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآية التي في البقرة ، وفي الآخرة منهما ( آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) رواه مسلم .
وفي رواية له : قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر : ( قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) والتي في آل عمران ( تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) .
والله تعالى أعلى وأعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:13 pm

الحديث الـ 68

في الأذان

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أُمِـرَ بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة .

في الحديث مسائل :

1 = عقد المصنف باب الأذان بعد باب المواقيت ؛ لأنه لا يُمكن أن يؤذّن للصلاة إلا بعد معرفة المواقيت ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن مشروعية الأذان متأخرة عن إقامة الصلاة ، ويدل عليه رواية البخاري لحديث الباب ، وفيها : قال أنس بن مالك : لما كثر الناس قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا ، أو يضربوا ناقوسا ، فأُمِـر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة .

2 = تعريف الأذان :
الأذان يُطلق في اللغة على الإعلام ، والإعلام ليس خاصا بتعريف الأذان ، إذ يُطلق الإعلام على الإخبار ، ويُطلق على الصوت ، ولذلك عُرِّف الوحي بأنه الإعلام ، وقيل : الإعلام بخفاء .
قال ابن الملقِّن : واشتقاقه من الأَذَن ، بفتح الهمزة والدال ، وهو الاستماع .
ومما أُطلق الأذان عليه في غير الاصطلاح الشرعي ، رفع الصوت ، قال سبحانه وتعالى : ( ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) .
ومنه قوله سبحانه وتعالى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ )
وقوله جل جلاله : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
فهذا من إطلاق النداء والمقصود به رفع الصوت ، وليس الأذان بالمعنى الاصطلاحي .
كما يُطلق النداء أيضا على الأذان وعلى رفع الصوت أيضا ، ولذا جاء في الأحاديث ذِكر النداء بمعنى رفع الصوت بالقول :
ففي حديث البراء في ذِكر يوم خيبر : وأصبنا حمرا فطبخناها ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر .. الحديث . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث عبد الله بن عمرو: فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويل للأعقاب من النار . رواه البخاري ومسلم . – وقد تقدّم – .
ويُطلق على الأذان المخصوص ، ومنه : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة . رواه مسلم .
وأما تعريف الأذان في الشرع : فهو ذِكر مخصوص شُرِع في الأصل لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة المفروضة .

3 = الأذان مشتمل على التوحيد ، فهو إعلان للتوحيد والتعظيم في اليوم والليلة ، وقد قَرَن الله اسم رسوله باسمه ، فإذا شهِد المؤذِّن بالشهادة التوحيد لله رب العالمين ثنّى بالشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة .
قال أبو العباس القرطبي : الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بدأ بالأكبرية ، وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله ، ثم ثنى بالتوحيد ، ثم ثلّث برسالة رسوله ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته ، ثم ضمِن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم ، فأشعر بأن ثمّ جزاء ، ثم أعاد ما أعاد توكيداً .

4 = ما هي الحكمة من الأذان ؟
ذكر ابن الملقِّن أن العلماء ذكروا أربع حكم في الأذان :
الأولى : إظهار شعار الإسلام والتوحيد
الثانية : الإعلام بدخول وقت الصلاة
الثالثة : الإعلام بمكان الصلاة
الرابعة : الدعاء إلى الجماعة
ويُضاف إلى ما ذكره :
الخامسة : عصمة الدم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير إذا طلع الفجر ، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي الفطرة ، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خرجت من النار ، فنظروا فإذا هو راعي معزى . رواه البخاري ومسلم من حديث أنس .
وفي رواية للبخاري : كان إذا غزا بِنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يُصبح وينظر ، فإن سمع أذانا كفّ عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم . قال أنس : فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب .. الحديث .
السادسة : طرد الشيطان
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قُضي الأذان أقبل ، فإذا ثوّب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكُر كذا وكذا ما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدرِ أحدكم كم صلى ثلاثا أو أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس .
وفي رواية للبخاري : فيقول اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فإذا لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا سجد سجدتي السهو .
وفي رواية لمسلم : إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حَصاص .
واختلف العلماء في المقصود بقوله : " وله ضراط حتى لا يسمع الأذان " هل المقصود به الحقيقة أو أنه متأوّل بغير الظاهر ؟
وإيراد الإمام البخاري للحديث في باب صفة إبليس وجنوده ، يدلّ على الإيماء إلى أنه على الحقيقة .
وليس ثم مانع من حمله على ظاهره ، كما جاء في الحديث الآخر أنه ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقيل : ما زال نائما حتى أصبح ، ما قام إلى الصلاة ، فقال : ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ، أو قال : في أذنه رواه البخاري ومسلم .
قال القرطبي وغيره : لا مانع من ذلك إذ لا إحالة فيه ؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح ، فلا مانع من أن يبول . اهـ .
قال الإمام النووي :
وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة ، وهي إزالة اللبس أو الاشتراك أو نفى المجاز أو نحو ذلك ... وكقوله صلى الله عليه وسلم : أدبر الشيطان وله ضراط ، وكقول أبى هريرة رضى الله عنه : الحدث فساء أو ضراط ، ونظائر ذلك كثيرة . اهـ .
وقال أيضا في معنى الرواية الأخرى : وله حصاص ، أي ضراط كما في الرواية الأخرى . وقيل الحصاص : شدة العدو ، قالهما أبو عبيد والأئمة من بعده . اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر :
قال عياض : يُمكن حمله على ظاهره ؛ لأنه جسم متغذٍّ يصحّ منه خروج الريح ، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره . اهـ .
وساق كلاما طويلا في معنى ذلك فلـيُراجع في فتح الباري ( 2 / 85 )
فالذي يظهر أنه على الحقيقة ، وذلك نتيجة لشدّة الخوف والرعب من الأذان .
والله تعالى أعلى وأعلم .
السادسة : السلامة من تسلّط الشيطان وغلبته
قال عليه الصلاة والسلام : ما من ثلاثة في قرية لا يُؤذّن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإن الذئب يأكل القاصية. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

5 = قوله : " أُمِـرَ بلال " الآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في قصة بدء الأذان .
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنادى لها ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فنادِ بالصلاة . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقّ عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتا منك ، قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذِّن به . قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرّ رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلله الحمد . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .

6 = قوله " يشفع الأذان " أي يجعله شِفعاً لا وِتراً .
وحُمِل هذا على أن التثنية في أغلب الأذان ، وإلا فإن التهليل في آخر الأذان وتر ، بخلاف الإقامة ، فإنها تُوتَر أي تكون وِتراً ، وإن كان التكبير ولفظ الإقامة ، شِفعا .

7 = اختُلِف في عدد كلمات الأذان والإقامة ، وفي الأمر سَعة ، والأشهر أن كلمات الأذان خمس عشرة كلمة بإسقاط الترجيع ، وكلمات الإقامة إحدى عشرة كلمة .
فعن أبي محذورة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الأذان :
الله أكبر الله أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله . ثم يعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله . حي على الصلاة مرتين . حي على الفلاح مرتين - زاد إسحاق - الله أكبر الله أكبر . لا إله إلا الله . رواه مسلم .
وفي رواية لأبي داود : قال : قلت : يا رسول الله علمني سنة الأذان . قال : فمسح مقدّم رأسي ، وقال : تقول :
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر - ترفع بها صوتك - ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله - تخفض بها صوتك - ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح ، فإن كان صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم . الصلاة خير من النوم . الله أكبر الله أكبر . لا إله إلا الله .
وخفض الصوت هذا هو ما يُعرف بـ " الترجيع " في الأذان ، وهو ثابت في هذه الأحاديث ، وهو سنة على الصحيح .

8 = الحكمة في شفع الأذان وإفراد الإقامة .
قال ابن الملقِّن : الأذان للغائبِين ، فيُكرر ليكون أبلغ في إعلامهم ، والإقامة للحاضِرِين فلا حاجة إلى تكرارها ولهذا يكون صوته في الإقامة دونه في الأذان ، وإنما كُرر لفظ الإقامة خاصة ؛ لأنه مقصود الإقامة . اهـ .

9 = حُـكم الأذان والإقامة .
قال الإمام النووي : الأذان والإقامة سنة ، وقيل فرض كفاية ، وإنما يشرعان لمكتوبة ، ويقال في العيد ونحوه : الصلاة جامعة . اهـ .
والذي يظهر القول بفرضية الكفاية ، إذ لا يُمكن أن يَرِد الوعيد على أمر مسنون ، فقد تقدّم قوله صلى الله عليه وسلم : ما من ثلاثة في قرية لا يُؤذّن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية .
وأما النساء فيُستحب لهن الأذان والإقامة
سئل ابن عمر هل على النساء أذان ؟ فغضب ، وقال : أنا أنهى عن ذكر الله ؟!
قال الإمام النووي : يستحب لهن الإقامة دون الأذان . اهـ . ونسب القول إلى الجمهور .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الأذان :
هل هو فرض أم سنة ؟ وهل يستحب الترجيحع أم لا ؟ وهل التكبير أربع أو اثنتان كـ مالك ؟ وهل الإقامة شفع أو فرد ؟ وهل يقول : قد قامت الصلاة مرة أو مرتين ؟
فأجاب رحمه الله :
الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية ، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوا الأذان والإقامة ، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره ، وقد أطلق طوائف من العلماء أنه سنة ، ثم من هؤلاء من يقول : إنه إذا اتفق أهل بلد على تركه قُوتِلوا ، والنـزاع مع هؤلاء قريب من النـزاع اللفظي ، فإن كثيرا من العلماء يُطلق القول بالسنة على ما يُذمّ تاركه شرعا ، ويُعاقَب تاركه شرعا ، فالنـزاع بين هذا وبين من يقول أنه واجب نزاع لفظي ... وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه ولا عقوبة فهذا القول خطأ ، فإن الأذان هو شعار دار الإسلام الذي ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلق استحلال أهل الدار بتركه . اهـ .

10 = من أخطاء المؤذّنِين :
1 – مد الهمزة من ( أشهد ) فيخرج إلى الاستفهام .
2 – مد الباء من ( أكبر ) فينقلب المعنى إلى جمع كَبَرٍ ، وهو الطبل .
3 – الوقف على ( إله ) ويبتدئ ( إلا الله ) فهو كفر .
4 – إدغام الدال من ( محمد ) صلى الله عليه وسلم في الراء من ( رسول الله ) وهو لحن خفيّ عند القراء .
5 – ترك النطق بالهاء في ( الصلاة ) فإنّ تركَها يبقى دعاء إلى النار ، ذكرها صاحب الذخيرة ، ونقلها عنه ابن الملقِّن ، ثم زاد ابن الملقِّن :
6 – أن يُبدِل هاء ( الصلاة ) حاء .
7 – إخفاء الشهادتين حتى لا تُسمع .
ويُمكن أن يُضاف :
8 – إبدال حاء ( الفلاح ) عيناً عند بعض المؤذنين .
9 – التغنِّي في الأذان والتمطيط بحيث يُخرج به عن المقصود من الإعلام إلى التلحين والتطريب .
روى عبد الرزاق ومن طريقه ابن حزن في المحلى من طريق يحيى البكاء قال : رأيت ابن عمر يسعى بين الصفا والمروة ، ومعه ناس ، فجاءه رجل طويل اللحية فقال : يا أبا عبد الرحمن إني لأحبك في الله ، فقال ابن عمر : لكني أبغضك في الله ! فكأن أصحاب ابن عمر لامُوه وكلّموه ، فقال : إنه يتغنّي في أذانه ، ويأخذ عنه أجرا .
وقال الضحاك بن قيس لمؤذن : إني لأبغضك في الله لأنك تتغنى في أذانك .
10 – قول ( الصلاة خير من النوم ) في أذاني الفجر ( الأول والثاني ) ، وإنما تُقال في الأول دون الثاني .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:16 pm

الحديث الـ 69

في صفة الأذان
عن أبي جحيفة – وهب بن عبد الله السوائي – قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم .
قال : فخرج بلال بوَضوء ، فَمِن نائل وناضح . قال : فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه . قال : فتوضأ وأذن بلال . قال : فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينا وشمالا : حي على الصلاة حي على الفلاح . قال : ثم رُكِزَت له عنـزة ، فتقدم فصلى الظهر ركعتين ، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة .

في الحديث مسائل :

1 = من روايات الحديث :
قال : بمكة وهو بالأبطح . رواه مسلم . ففيها تحديد المكان بِدِقّـة .
وفي رواية لمسلم : يمرّ بين يديه الحمار والكلب لا يُمنَع .
وفي رواية له أيضا : عن عون بن أبي جحيفة أن أباه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من آدم قال : ورأيت بلالا أَخْرَج وَضوءا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوَضوء فمن أصاب منه شيئا تمسّح به ، ومن لم يُصب منه أخذ من بلل يدِ صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخرج عنـزة فركزها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا فصلى إلى العنـزة بالناس ركعتين . قال : ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنـزة .

2 = القبة : قال الـجوهري : القبة من البناء ، والـجمع قبب وقباب . قال العيني : قلت : الـمراد من القبة هنا هي التـي تُعمل من الـجلد . اهـ .

3 = من أَدَم : هو الجلد المدبوغ ، وكأنه صُبغ بحمرة قبل أن يُجعل قبة . قاله ابن حجر .

4 = قوله : " فخرج بلال بوَضوء " أي ببقية ماء توضأ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، والوَضوء هنا بالفتح

5 = قوله " فمن نائل وناضح " معناه فمنهم من ينال منه ، شيئا ومنهم من ينضح عليه غيره شيئا مما ناله ويرش عليه بللا مما حصل له ، وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر : فمن لم يصب أخذ من يد صاحبه . قاله النووي .

6 = قوله : " وعليه حلة حمراء " .
جاء النهي عن لبس الأحمر ، وجاء في هذا الحديث وصف الحلّة بأنها حمراء . فكيف يُجمع بينهما ؟
قال الحافظ ابن حجر في ذكر الأقوال في لبس الأحمر :
تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كله ، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء ، فإن الحلل اليمانية غالبا تكون ذات خطوط حُمر وغيرها قال ابن القيم : كان بعض العلماء يلبس ثوبا مشبعا بالحمرة يزعم أنه يتبع السنة وهو غلط ، فإن الحلة الحمراء من برود اليمن ، والبرد لا يُصبغ أحمر صرفا ، كذا قال ، وقال الطبري - بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال - : الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعا بالحمرة ، ولا لبس الأحمر مطلقا ظاهراً فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا ، فإن مراعاة زيّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً ، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة . اهـ .
ولذا لما رأى عمر رضي الله عنه على طلحة ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر : ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ فقال طلحة : يا أمير المؤمنين إنما هو مدر ، فقال عمر : إنكم أيها الرهط أئمة يَقتدي بكم الناس ، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال : إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام ! فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة . رواه الإمام مالك في الموطأ .
والمدر هو الطّين .

7 = قوله : " كأني أنظر إلى بياض ساقيه " فيه جواز إظهار الساق ، وأنه لا يجب ستره ، وأن كشفه ليس مما يُنكر .
وأنت ترى كثيراً الناس في زماننا يُنكرون على الشاب الذي ثوبه إلى أنصاف ساقيه ، ولا يُنكرون على المرأة التي كشفت عن ساقيها أو عن بعضهما !

8 = قوله " فتوضأ وأذن بلال " فيه الأذان في السفر . قال الشافعي رضي الله عنه : ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر ؛ لأن أمر المسافر مبني على التخفيف . نقله النووي .
الذي توضأ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي أذّن هو بلال ، والذي يظهر أن في الحديث تقديم وتأخير ، أي أن بلالاً خرج بفضله وَضوئه عليه الصلاة والسلام ، فابتدر الناس فضلة الوَضوء ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بدا بياض ساقيه ، ثم أذّن بلال .

9 = قوله : " فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينا وشمالا " أي أن أبا جحيفة أخذ يتتبّع فَـمَ بلال في حال الأذان وعند الحيعلتين ، أي حي على الصلاة ، حي على الفلاح .
وقوله : يقول يمينا وشمالاً ، أي يلتفت ، ويُعبر عن الفعل بالقول ، كقولهم : وقال بيده هكذا . أي حركها أو أشار بها ، ونحو ذلك .

10 = هل يلتفت يمينا في قوله ( حي على الصلاة ) ويلتفت شمالا في قوله ( حي على الفلاح ) ؟
اللفظ محتمل لهذا وهذا .
بمعنى أنه يُمكن القول بأن المؤذن يلتفت يمينا في حال قوله ( حي على الصلاة ) ويلتفت شمالا في حال قول (حي على الفلاح) ويُمكن أن يقول ( حي على الصلاة ) مرة يميناً ومرة شمالاً ، وهكذا في قوله ( حي على الفلاح ) .

11 = وهل يلتفت يمينا وشمالا في حال وجود مكبرات الصوت ؟
نعم ، ولا تُترك السنة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يرملوا في الطواف لإظهار القوة أمام المشركين ، ولا زال الناس يرملون حتى بعد أن صارت مكة دار إسلام .
قال ابن عباس : فكانت سنة . أي الرمل في الطواف .
ثم إن الالتفات اليسير يُحقق السنة ولا ينقطع الصوت عن المكبِّر .

12 = قوله : " ثم رُكِزَت له عنـزة " أي رُكِزت للنبي صلى الله عليه وسلم ليُصلي إليها ، أي ليجعلها سترة له .
وتقدّم أنه عليه الصلاة والسلام لما صلى الظهر إلى العَنَزة كان يمرّ بين يديه الحمار والكلب لا يُمنَع .
أي من وراء العَنَزة ، وليس من بين يديه مباشرة ، وسيعقد المصنف رحمه الله باباً في المرور بين يدي المصلي .

13 = قوله : " ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة " هذه هي السنة للمسافر ، وسيأتي باب الجمع بين الصلاتين في السفر ، وباب قصر الصلاة في السفر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:20 pm

الحديث الـ 70

في أذاني الفجر
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن بلالاً يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم .

في الحديث مسائل :

1 = جواز اتخاذ مؤذِّنَين في المسجد الواحد .

2 = جواز اتخاذ مؤذن أعمى ، إذا كان يعرف الوقت ، أو كان لديه من يُخبره بالوقت ، ويدل عليه أن من روايات الحديث : وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت .

3 = جواز الأذان قبل دخول الوقت خاصة في الأذان الأول للفجر .

4 = الفرق بين الأذان الأول والثاني لصلاة الفجر يسير ، حيث وقع عند البخاري في رواية عائشة رضي الله عنها : قال القاسم بن محمد – الراوي عن عائشة – : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا ، وينـزل ذا .
وهي عند مسلم رواية من روايات حديث الباب : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم
قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينـزل هذا ، ويرقى هذا .
ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال - أو قال نداء بلال - من سحوره فإنه يؤذن - أو قال يُنادي بليل - ليرجع قائمَكم ، ويوقظ نائمَكم .

5 = قول : ( الصلاة خير من النوم ) إنما يكون في الأذان الأول للفجر ، فقد جاء في رواية لحديث أبي محذورة رضي الله عنه : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح . رواه وأبو داود والنسائي .
وفي رواية للإمام أحمد : الحديث الـ 70 في أذاني الفجر وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم .
وعند البيهقي عن ابن عمر قال : كان في الأذان الأول بعد الفلاح : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم . قال الألباني : وإسناده حسن كما قال الحافظ .
ثم إن الذي كان يقول : الصلاة خير من النوم ، هو بلال ، وعُلِّل ذلك في حديث ابن مسعود : ليرجع قائمَكم ، ويوقظ نائمَكم .
فالنائم هو الذي بحاجة لمن يقول له : الصلاة خير من النوم ، ولذا فإن هذا النداء لا يُقال في الأذان لبقية الصلوات .

6 = السنة أن يكون الأذان على مكان مرتفع ، أو من مكان مرتفع ، بخلاف الإقامة فإنها تكون في المسجد ؛ لأن الإقامة للحاضِرِين .
وقوله في الرواية الأخرى : " ينـزل هذا ، ويرقى هذا " النـزول والصعود لا يكون إلا من وإلى مكان مرتفع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 5:23 pm

الحديث الـ 71

في الترديد خَلْف المؤذِّن

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن .

في الحديث مسائل :

1 = رواية البخاري ومسلم لحديث الباب بلفظ : إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن .

2 = استحباب رفع المؤذِّن صوته بالنداء ؛ لأن مقصود الأذان إعلام الناس وإبلاغهم ، ولأن ما يسمع صوت المؤذِّن يشهد له .
فقد روى البخاري من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

3 = فضل التأذين :
1 – يشهد له كل ما يسمع صوته .
2 – أن المؤذنين قدوة في ذلك إذ يُردد الناس خلفهم .
3 – طول أعناق المؤذنين لقوله عليه الصلاة والسلام : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة. رواه مسلم .
4 – أن من أذّن محتسبا ثنتي عشرة سنة وَجَبت له الجنة .
اقوله عليه الصلاة والسلام : من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ، ولكل إقامة ثلاثون حسنة . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .
ولما كان هذا الفضل للمؤذنين شُرِع للناس أن يُشاركوهم في هذا الفضل في الترديد خلف المؤذِّن .
5 – أن المؤذّنين يدعون الناس إلى فعل الخيرات .
قالت عائشة رضي الله عنها : نزلت هذه الآية في المؤذنين قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) .
6 – أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمؤذِّنين بالمغفرة ، فقال عليه الصلاة والسلام : اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .
وروى بيان وإسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال : قال عمر رضي الله عنه : لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت . رواه ابن أبي شيبة .
4 = لفظ حديث الباب عام في أنه يقول مثل ما يقول المؤذِّن ، فهل هو على عمومه ؟
حديث الباب عام وهو مخصوص بحديث عمر عند مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله قال : لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة .
وجاء مثله عن معاوية رضي الله عنه كما عند البخاري .

5 = يُستحب أن يُردد عقب انتهاء المؤذِّن للتعقيب بالفاء : فقولوا مثل ما يقول ، وهذا كقوله : فإذا كبّر فكبِّروا .

6 = ماذا يقول إذا فرغ المؤذِّن ؟
عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول : ثم صلوا علي ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة .
وعند البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ؛ حلّت له شفاعتي يوم القيامة .
وعند مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قال حين يسمع المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا ، غُفِر له ذنبه .

7 = الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن " للندب وليس للوجوب ، فمن ردد خلف المؤذِّن فإنه يؤجر ، ومن لم يُردِّد خلف المؤذِّن فإنه لا يأثم .

8 = من كان في المسجد هل يقول ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ؟
لأن المؤذِّن إذا قال : حي على الصلاة ، فإن من سمعه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، أي أنه يتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته ، ويستوي في ذلك من يجب عليه إجابة النداء ، ومن لا يجب عليه كالمرأة والمعذور .
ولذلك فإن من كان في المسجد وقت الأذان فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، إذا قال المؤذِّن : حي على الصلاة حي على الفلاح .
والله تعالى أعلم
.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:30 pm

الحديث الـ 72

في استقبال القبلة في النافلة في السفر


عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسَبـِّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ، يومئ برأسه ، وكان ابن عمر يفعله .
وفي رواية : كان يُوتر على بعيره .
ولمسلم : غير أنه لا يُصلي عليها المكتوبة .
وللبخاري : إلا الفرائض .

في الحديث مسائل :

1 = معنى يُسبِّح : أي يتنفّل ، وقد يُطلق على النافلة : السُّبحَة .
روى مسلم من طريق عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال : صحِبت ابن عمر في طريق مكة ، قال : فصلى لنا الظهر ركعتين ، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله ، وجلس وجلسنا معه ، فَحَانَتْ منه التفاتة نحو حيث صلى ، فرأى ناسا قياما ، فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ قال : قلت : يُسبِّحون . قال : لو كنت مُسبِّحا لأتممت صلاتي .
أي لو كنت متنفلاً .
وهذا فيما يتعلق براتبة الصلاة .
قال ابن حجر في قول ابن عمر " لو كنت مُسبِّحا لأتممت صلاتي " : إنما أراد به راتبه المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر . اهـ .
وحديث الباب يدل على ذلك ؛ لأن ابن عمر نقل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته ، ونُقِل عن ابن عمر أنه كان يفعله .

2 = قوله : " على ظهر راحلته " ، أي في السفر ، فإنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على راحلته في المدينة .
وهذا يدلّ على أن الصلاة على الراحلة أو السيارة خاص بالسفر .
فقد روى البخاري من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة أن أباه أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به .
واختار شيخنا الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله – أن للمقيم أن يُصلي في السيارة إذا خشي فوات وقت الراتبة .

3 = جواز الصلاة على الدواب ، سواء كانت من الإبل ، كما يُفهم من لفظ " راحلة " وتجوز على الحمار ، فقد روى مسلم عن ابن عمر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو موجِّه إلى خيبر .

4 = قوله : " حيث كان وجهه " يدلّ على عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة حال السفر .
وعند مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه . قال : وفيه نزلت : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) .
ومعلوم قطعا أنه في هذه الحالة لا يُمكن أن يستقبل الكعبة ؛ لأن المدينة تقع في جهة الشمال من مكة .

5 = قوله : " يومئ برأسه " أي يُشير به في الركوع والسجود ، ويكون السجود أخفض من الركوع .

6 = قوله : " وكان ابن عمر يفعله " ما فائدة هذا اللفظ ؟
فائدته أن هذا الفعل ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يُنسخ .

7 = قوله : " وفي رواية : كان يُوتر على بعيره " هذا من ذِكر الخاص بعد العام ، فالوتر من جنس النافلة ، وذلك لئلا يُفهم أن الوتر لا يصلح على الدابة .
ولقول ابن عمر هذا قصة .
فقد أخرج مسلم من طريق سعيد بن يسار أنه قال : كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة . قال سعيد : فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ، ثم أدركته ، فقال لي ابن عمر : أين كنت ؟ فقلت له : خشيت الفجر فنـزلت فأوترت ، فقال عبد الله : أليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ فقلت : بلى والله . قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير .
وفي لفظ لمسلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ، ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة . رواه مسلم .

8 = " غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة " أي لا يُصلي الفريضة على راحلته .
وفي رواية البخاري : " إلا الفرائض " والمعنى واحد .
وهذا من الأحكام التي اختلفت فيها الفريضة عن النافلة .
فالفريضة يُشترط لها استقبال القبلة ، والنافلة لا يُشترط لها .
و القيام في الفريضة رُكن ، وليس هو كذلك في النافلة .
وهذا يدلّ على أن النافلة مبنية على التخفيف .
قال ابن الملقِّن : وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة ولا على الدابة إلا في شدة الخوف .

9 = متى يجوز للمصلي أن يُصلي صلاة الفريضة على الراحلة ؟
إذا كان في حال خوف أو كان لا يستطيع النـزول ، أو كانت الأرض طينا لا يُمكنه الصلاة معه .
قال ابن الملقِّن : ولو كان في ركب وخاف لو نـزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر صلى عليها [ أي على الدابة ] . اهـ .

10 = جمهور العلماء على أن المسافر سفر معصية أنه لا يترخّص برخص السفر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:33 pm

الحديث الـ 73

في استقبال القبلة
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ ، فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أُمِـر أن يَستقبل القبلة فاستقـبَِـلُوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة .

في الحديث مسائل :
هذا حديث عظيم اشتمل على مسائل عقدية ، وقضايا تربوية ، وفضائل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وأما مسائله فـ :

1 = قوّة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومسارعتهم في ذلك ، ومبادرتهم إليه .
وكان يكفيهم أن يأتي الرجل بالخبر من خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيستجيبون له .
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال : وهل بلغكم الخبر ؟ فقالوا : وما ذاك ؟ قال : حُرِّمت الخمر . قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس . قال : فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل .
وفي هذا الحديث أنه أتاهم آتٍ فأخبرهم خبر تحويل القبلة فاستداروا .

2 = أن جيل الصحابة رضي الله عنهم لم يُعرف عنهم الكذب وإن صغُر ، ولذلك كانت هذه الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا لأجل ذلك يكتفون بخبر الرجل تصديقا له ، ولا يسألون عن المُخبِر ، ولذا لا يُسأل عن عدالتهم عند أهل السنة .
روى مسلم في المقدمة عن طاووس قال : جاء هذا إلى ابن عباس - يعني بشير بن كعب - فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس : عُـد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، ثم حدثه ، فقال له : عُـد لحديث كذا وكذا ، فعاد له . فقال له : ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا ؟ فقال له ابن عباس : إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يُكذب عليه ، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه .
وروى عن مجاهد قال : جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه . فقال : يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم ينفذ من الناس إلا ما نعرف .

3 = تطلّع النبي صلى الله عليه وسلم إلى استقبال القبلة ، ولذا فإنه عليه الصلاة والسلام لما كان في مكة كان يُصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، وما ذلك إلا لحرصه على مخالفة اليهود .
ففي حديث أنس رضي الله عنه :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنـزلت ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فَمَرّ رجل من بني سلِمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، وقد صلوا ركعة ، فنادى : ألا إن القبلة قد حُوِّلَت ، فمالوا كما هم نحو القبلة . رواه مسلم .
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبل البيت ، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون قال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قُتلوا لم ندرّ ما نقول فيهم ، فأنزل الله : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
وفي رواية للبخاري عنه رضي الله عنه قال : قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجَّـه إلى الكعبة ، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء ) فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس ، وهم اليهود : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلى فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس ، فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه توجَّـه نحو الكعبة ، فتحرّف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة .
وفي رواية له قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان يحب أن يوجَّـه إلى الكعبة ، فأنزل الله تعالى ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) فوجَّـه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر ، ثم خرج فمَرّ على قوم من الأنصار فقال : هو يشهد أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قد وُجِّـه إلى الكعبة ، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر .

4 = في حديث الباب أن الصلاة كانت صلاة الفجر ، وفي حديث البراء أنها صلاة العصر . فكيف يُجمع بينهما ؟
قال الحافظ ابن حجر : والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر ، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر ، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء .
قال ابن الملقِّن : سُمِّي المسجد الذي لبني سلِمة مسجد القبلتين .

5 = أن مسألة استقبال القبلة ليست مسألة اجتهادية بل أُمِـر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل بيت المقدس أول الأمر ثم أُمِـر أن يستقبل الكعبة بعد ذلك .

6 = استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في حالات : شدة الخوف والنافلة في السفر والعُذر .
قال الإمام البخاري : باب إذا لم يُطق قاعدا صلى على جنب ، وقال عطاء : إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه .
قال الإمام النووي : استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في الحالين المذكورين اهـ .[ يعني في شدة الخوف وفي النافلة في السفر ]
وقال ابن قدامة : استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في الحالتين اللتين ذكرهما الخرقي رحمه الله . اهـ .

7 = حالات استقبال القبلة
وقال النووي : فإن كان بحضرة الكعبة لزمه التوجه إلى عينها لتمكنه منه ، وله أن يستقبل أي جهة منها أراد ... ولو وقف الإمام بقرب الكعبة والمأمومون خلفه مستديرين بالكعبة جاز .
وقال أيضا : إذا غاب عن الكعبة وعرفها صلى إليها ، وإن جهلها فأخبره من يُقبل خبره لزمه أن يصلي بقوله ، ولا يجوز له الاجتهاد حينئذ .
فالحالات في القبلة ثلاث :
1 – أن يكون داخل المسجد الحرام ( مسجد الكعبة ) فيجب أن يتوجّه إلى الكعبة .
2 – أن يكون في مكة وخارج مسجد الكعبة ، فيجب أن يتّجه إلى مسجد الكعبة .
3 – أن يكون خارج مكة فيجب أن يتوجّه إلى مكة .
إلا أنه في زماننا هذا وُجِدت الآلات التي تُحدد المكان بِدقّـة ، فإذا وُجِدت هذه وكانت معتمدة فإنها تُحدد عين الكعبة فيتوجّه المصلي إليها .
ولا شك أن الصفوف في مساجد المسلمين في الآفاق قد تخرج أطرافها عن التوجه إلى عين الكعبة .

8 = من كان في البلد فإنه يسأل ويتحرّى ، فإن صلى إلى غير القبلة في البلد أعاد ؛ لأنه كان يُمكنه السؤال وقصّر وفرّط .
قال الإمام النووي : قال أصحابنا إذا صلى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه كالكعبة ، فمن يعاينه يعتمده ، ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال ، ويعني بمحراب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه وموقفه ؛ لأنه لم يكن ( هذا المحراب هو المعروف ) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أحدثت المحاريب بعده . قال أصحابنا : وفي معنى محراب المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضُبط المحراب ، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين بالشرط السابق ، فلا يجوز الاجتهاد في هذه المواضع في الجهة بلا خلاف .
وأما من كان في الصحراء أو في بلاد الكفار ولم يجد من يُخبره فإنه يجتهد ثم يُصلي ، ولا إعادة عليه .

9 = أخذ العلماء من هذا الحديث قبول خبر الواحد ، وقد أخذ به الصحابة رضي الله عنهم في غير مسألة ، كما في تحوّلهم عن قبلتهم إلى الكعبة ، وكما في حديث أنس في ترك الخمر ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الرسل ومعهم الكُتُب إلى الآفاق وإلى الرؤساء بالرجل الواحد .
ولذا بوّب الإمام البخاري على هذا الحديث :
باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام .
ومما ذكره في الباب حديث عبد الله بن عمر هذا – حديث الباب – .
وينبغي التفريق بين مسألتين :
الأولى : قبول خبر الواحد والعمل به .
والثانية : إفادته العلم اليقيني .
أما الأولى : فهي محل اتفاق . قال القاضي : العمل بخبر الواحد مقطوع به .
وأما إفادة العلم ، فقد يكون يقينيا كما في المتواتر ، وقد يُفيد العلم الظني ، ولكنه مع ذلك يجب العمل به ، وحديث الآحاد حجة بنفسه في العقائد والأحكام ، بل نَقَل ابن حزم الإجماع على ذلك .

10 = كيف تحوّلوا من التوجّـه إلى بيت المقدس إلى الكعبة ؟
قال الحافظ ابن حجر : وتصويره [ أي التحوّل ] أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد ؛ لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس ، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ، ولَمّا تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه ، وتحولت النساء حتى صِرن خلف الرجال ، وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة ، فيُحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام ، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة ، أو لم تتوال الخُطا عند التحويل بل وقعت مفرقة ، والله أعلم .

11 = قوله : " فاستقـبَِـلُوها "
قال الحافظ ابن حجر : بفتح الموحدة للأكثر ، أي فتحوَّلوا إلى جهة الكعبة ، وفاعل استقبَلوها المخاطبون بذلك ، وهم أهل قباء ... وفي رواية الأصيلي : فاستقبِلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر ... ويرجِّح رواية الكسر أنه عند المصنف في التفسير من رواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ : وقد أُمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها ، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمرٌ ، لا أنه بقية الخبر الذي قبله ، والله اعلم .
وقال ابن الملقِّن : كسر الباء فيه أفصح وأشهر من فتحها .

12 = صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أذى اليهود ، فإن اليهود كان يسرّهم أن يستقبل النبي صلى الله عليه وسلم قبلتهم ، ولما تحوّل إلى الكعبة قالوا ما قالوا مما حكاه الله بقوله : ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فقد وَصَفَهم الله بالسفهاء ، وهذا كافٍ في ردّ قولهم .
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء ، وفضل هذه الأمة على سائر الأمم ، والحِكمة التي من أجلها كانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس ثم حُوِّلت إلى الكعبة .
فقال تبارك وتعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
وفي هذه الآيات درس وتسلية ، وذلك أن من أراد العمل لهذا الدِّين فلا يلتفت إلى أقوال السفهاء .
بل إن الأصل أن العمل لهذا الدِّين لا يُعجب اليهود ولا النصارى ولا من شايعهم !
(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) .

13 = هل يجوز نسخ القرآن بالسنة ، ونسخ السنة بالقرآن ؟
الجواب : نعم .
والصحيح أنه لا يُشترط في نسخ القرآن بالسنة أن تكون السنة متواترة ، بدليل ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .
وهذا الحديث ليس من المتواتر وهو ناسخ لما جاء في هذه الآية : ( وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ) .
والله تعالى أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:36 pm

الحديث الـ 74

في صلاة النافلة على الراحلة إلى غير القبلة

عن أنس بن سيرين قال : استقبلنا أنسا حين قدم من الشام ، فلقيناه بعين التمر ، فرأيته يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت : رأيتك تصلي لغير القبلة ؟ فقال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله لم أفعله .

في الحديث مسائل :

1 = أنس بن سيرين هو أخو محمد بن سيرين ، وأبوهما مولى أنس بن مالك رضي الله عنه اشتراه من سبي عين التمر ، وكانت بها وقعة مشهورة في أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

2 = عين التمر .
قال البكري : عين التمر على لفظ تمرة ، موضع مذكور في تحديد العراق .
وقال ياقوت الحموي : والعين بالعراق : عين التمر .
فعلى هذا يكون أنس رضي الله عنه قدِم من الشام إلى العراق فاستقبلوه بعين التمر .

3 = وقع في رواية مسلم : حين قدم الشام فتلقيناه بعين التمر .
قال الحافظ ابن حجر : ووقع في رواية مسلم : حين قدم الشام ، وغلّطوه ؛ لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لما رجع من الشام ، فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقاه ، ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله : حين قدم الشام مجرد ذكر الوقت الذي وقع له فيه ذلك ، كما تقول فعلت كذا لما حججت . قال النووي : رواية مسلم صحيحة ، ومعناه تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام . اهـ .

4 = قال الحافظ ابن حجر : قوله : " رأيتك تصلي لغير القبلة " فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار ، ولا غير ذلك من هيئة أنس في ذلك ، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط ، وفي قول أنس : لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله - يعني ترك استقبال القبلة للمتنفل على الدابة . اهـ .
وفيه الاستفصال قبل الإنكار في مسائل الاجتهاد .

5 = اقتداء الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم .
واكتفاء السلف بذِكر فعله أو قوله عليه الصلاة والسلام .
وكان هذا كافياً للاحتجاج ، فلم يكونوا يتعمّقون ، ولم يكونوا يطلبون أكثر من الدليل .

6 = جواز الصلاة على الحمار ، وقد تقدّم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
الحمير فيها خلاف هل هي طاهرة أو نجسة أو مشكوك فيها ؟
والصحيح الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر إذ قد بيّنا أن شعر الكلب طاهر فَشَعر الحمار أولى .
وإنما الشبهة في ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب أو بريق الخيل ؟
وأما مقاودها وبراذعها فمحكوم بطهارتها ، وغاية ما فيها أنه قد يصيبها بول الدواب وروثها .
وبول البغل والحمار فيه نزاع بين العلماء :
منهم من يقول : هو طاهر .
ومنهم : من ينجسه ، وهم الجمهور ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ، لكن هل يعفى عن يسيره ؟
على قولين ، هما روايتان عن أحمد ، فإذا عُفيَ عن يسير بوله وروثه كان ما يصيب المقاود وغيرها معفوا عنه وهذا مع تيقن النجاسة ، وأما مع الشك فالأصل في ذلك الطهارة ، والاحتياط في ذلك وسواس ، فإن الرجل إذا أصابه ما يجوز أن يكون طاهرا ويجوز أن يكون نجسا لم يستحب له التجنب على الصحيح ولا الاحتياط ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ هو وصاحب له بميزاب فَقَطَرَ على صاحبه منه ماء ، فقال صاحبه : يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس ؟ فقال عمر : يا صاحب الميزاب لا تخبره ، فإن هذا ليس عليه .
وعلى القول بالعفو فإذا فُرِش في الخانات وغيرها على روث الحمير ونحوها فإنه يعفى عن يسير ذلك ... وغَسْل المقاود بدعة لم يُنقل ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم ، بل كانوا يركبونها وامتن الله عليهم بذلك في قوله تعالى : ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ) وكان للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة يركبها ، وروي عنه أنه ركب الحمار ، وما نُقِلَ أنه أمَرَ خدام الدواب أن يحترزوا من ذلك . اهـ .
والمقصود

بـ " الـمَقَاوِد " ما تُقاد به الدابة من لجام وحبل ونحوه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:40 pm

الحديث الـ 75

في تسوية الصفوف
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سووا صفوفكم ، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة .

في الحديث مسائل :

1 = ترتيب المؤلف رحمه الله منطقي ، فإنه بدأ بذِكر المواقيت ، ثم ذَكر فضل صلاة الجماعة ووجوبها ، ثم الأذان ، ثم استقبال القبلة ، ثم ذَكَر ما يتعلق بالصفوف .
ذلك أن الصلاة إذا حَضَرَتْ واستقبل المصلُّون القبلة فقد بَقِي عليهم قبل الدخول في الصلاة تَسْوية الصفوف
وسيأتي في الحديث التالي حُكم تسوية الصفوف .

2 = تدلّ أحاديث الباب بمجموعها على أهمية تسوية الصفوف وإقامتها وحُسنها ، وأن ذلك من تمام الصلاة ، إذ أن إقامة الصف لها تعلّق بالصلاة نفسها .
ففي رواية للبخاري : سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : وأقيموا الصف في الصلاة ، فإن إقامة الصفّ من حُسْنِ الصلاة . وفي حديث أنس رضي الله عنه قال : أُقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري . رواه البخاري ومسلم .

3 = السنة للإمام أن يتفقد الصفوف قولاً وفعلا ، أما القول فما يتم به تسوية الصفوف ، من تقويم معوجّ ، وتعديل مائل ، وأمر بإتمام الصفّ الْمُقدَّم ، وأما الفعل فباليَدِ ، على ما سيأتي بيانه في الحديث الذي يليه .
وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتموا الصف الأول ، ثم الذي يليه ، وإن كان نقص فليكن في الصفّ المؤخر .
فهذا من القول في تسوية الصفوف ، ومسح المناكب من الفعل .
قال ابن دقيق العيد : تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ : اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ن يأمر بتسوية الصفوف ، فإذا أخبروه أن قد استوت ، كَبـَّـر . رواه الإمام مالك وعبد الرزاق .
وفي رواية لعبد الرزاق عن بن عمر قال : كان عمر لا يُكبِّر حتى تعتدل الصفوف ، يَوكِّل بذلك رجالا .
وروى عبد الرزاق عن مالك عن عمه ابن أبي سهيل عن أبيه قال : كنت مع عثمان فقامت الصلاة وأنا أُكلِّمه في أن يَفرض لي ، فلم أزل أكلمه وهو يُسوي الحصى بيده حتى جاءه رجال قد كان وَكَّلَهم بتسوية الصفوف فأخبروه أنها قد استوت ، فقال لي : استوِ في الصف ، ثم كَبَّر .
قال ابن عبد البر : وأما تسوية الصفوف في الصلاة فالآثار فيها متواترة من طرق شتى صحاح كلها ثابتة في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تسوية الصفوف ، وعمل الخلفاء الراشدين بذلك بعده ، وهذا ما لا خلاف فيما بين العلماء فيه .

4 = مُبالغة الصحابة رضي الله عنهم في إقامة الصفوف .
روى البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري ، قال أنس : وكان أحدنا يُلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وقدَمَه بِقَدَمِه .

5 = التراصّ في الصف ، وإتمام الصف الأول هو صِفة صَفّ الملائكة عند ربها .
فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : خرج علينا فقال : ألا تَصُفُّون كما تصفّ الملائكة عند ربها ؟ فقلنا : يا رسول الله ! وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يُتِمُّون الصفوف الأُوَل ، ويتراصون في الصف . رواه مسلم .

6 = تسوية الصفوف ليست خاصة بالإمام بل الخطاب عام لجميع المصلِّين .
ويدلّ عليه ما قاله أبو هريرة رضي الله عنه : أُقيمت الصلاة فقُمنا فعُدِّلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله في الأحاديث المتقدِّمة :
سووا صفوفكم
وأقيموا الصف
أقيموا صفوفكم وتراصوا
هذه الألفاظ تدلّ على أن الخطاب للجماعة ، أي للمأمومين .
وقد روى أبو داود بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسُدُّوا الخلل ، ولِينُوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ، ومن وَصَل صفاً وَصَلَه الله ، ومن قَطَع صَفاً قطعه الله . أبو داود : ومعنى : " ولِينُوا بأيدي إخوانكم " إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يَلِين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف .
7 = لماذا تُرصّ الصفوف ؟
لأنه أدعى للتآلف بين المصلِّين ، ولذا قال : ولِينُوا بأيدي إخوانكم .
ولأن الشيطان يدخل من خَلل الصفوف ، فيُفسد الصلاة ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : رصُّوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بالأعناق ، فو الذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الْحَذَف . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وفي حديث البراء بن عازب عند أحمد : قيل : يا رسول الله وما أولاد الْحَذَف ؟ قال : سُود جُرد تكون بأرض اليمن .
وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أيضا : فإن الشيطان يدخل بينكم بمنـزلة الْحَذَف ، يعنى أولاد الضأن الصغار .
ولأن اختلاف الصفوف سبب في اختلاف القلوب وتنافرها ، كما سيأتي في الحديث الذي يليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:45 pm

الحديث الـ76

في التشديد في تسوية الصفوف
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما , قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .
وَلِمُسْلِمٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ , حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ , ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ , حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ , فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ , فَقَالَ : عِبَادَ اللَّهِ , لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .

في الحديث مسائل :

1 = حُكم تسوية الصفوف
قال الإمام البخاري : باب إثم من لم يتمّ الصفوف .
ثم روى بإسناده عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تُقِيمون الصفوف .
قال ابن رجب في حديث الباب : ومعناه : أنه كانَ يُقوِّم الصفوف ويُعَدِّلها قبل الصلاة كما يُقوِّم السهم .
وقد تُوعِّد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ، أو صورته صورة حمار . وظاهر هذا الوعيد : يدل على تحريم ما توعد عليهِ . اهـ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسُوخِ ، أَوْ يُخَالِفُ بِوَجْهِ مَنْ لَمْ يُقِمْ صَفَّهُ وَيُغَيِّرُ صُورَتَهُ عَنْ وَجْهِ مَنْ أَقَامَهُ ، أَوْ يُخَالِفُ بِاخْتِلافِ صُوَرِهَا بِالْمَسْخِ وَالتَّغْيِيرِ . اهـ .
وقال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " مَعْنَاهُ : إنْ لَمْ تُسَوُّوا ؛ لأَنَّهُ قَابَلَ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَبَيْنَهُ ، أَيْ الْوَاقِعُ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ : إمَّا التَّسْوِيَةُ ، أَوْ الْمُخَالَفَةُ . وَكَانَ يَظْهَرُ لِي فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلافِ الْقُلُوبِ ، وَتَغَيُّرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ تَقَدُّمَ إنْسَانٍ عَلَى الشَّخْصِ ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَتَخْلِيفَهُ إيَّاهُمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَامًا لِلإِمَامَةِ بِهِمْ : قَدْ يُوغِرُ صُدُورَهُمْ . وَهُوَ مُوجِبٌ لاخْتِلافِ قُلُوبِهِمْ . فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمُخَالَفَةِ وُجُوهِهِمْ ؛ لأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي التَّبَاعُدِ وَالتَّقَارُبِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ وَجْهِ الآخَرِ . اهـ .
ومذهب جمهور العلماء على أن تسوية الصفوف مُستحبة .
ومثل هذا الوعيد في قوله عليه الصلاة والسلام " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " لا يُمكن أن يصدر في أمر مسنون ، وإنما هذا الوعيد مُتصوّر في ترك أمر واجب .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْوَعِيدُ - يَعْنِي الَّذِي فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ - لا يَكُونُ إلاّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ . ا هـ
ويُمكن أن يُحمل مذهب الجمهور على القَدْر الزائد في تسوية الصفوف ، وهو ما وُصِف بـ " الْحُسْن " و " التَّمام " و " الكمال " ، فقد نصّوا على أن هذه الألفاظ تدلّ على أنها من الكمال .
وأما ترك الخلل ، وتقطيع الصفوف ، والإخلال بها فهو الذي يُحمل عليه الوعيد والتشديد في الأحاديث جمعاً بين أحاديث الباب . والله تعالى أعلم .
وقد أطال ابن حزم في تقرير وجوب تسوية الصفوف .

2 = تقدّم في الحديث السابق أن التسوية تكون بالقول والفعل ، وحديث الباب – برواية مسلم – دالٌّ على تسوية الصفوف باليد ، ويدلّ عليه أيضا أحاديث أخرى
فَعَن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحيته إلى ناحيته يمسح مناكبنا وصدورنا ، ويقول : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، وكان يقول : إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة . رواه النسائي .
وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا . رواه مسلم .
وهذا يعني أن أهل الفضل وكبار السنّ أولى أن يَـلُوا الإمام ، وأنه إذا دَعَت الحاجة إلى تأخير الصبيان جاز ذلك .
فقد روى النسائي في المجتبى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن قيس بن عُباد قال : بينما أنا بالمدينة في المسجد في الصف المقدم قائم أصلي فجَبَذَني رجلٌ من خلفي جَبْذَة فنحّاني ، وقام مقامي . قال : فو الله ما عقلت صلاتي ، فلما انصرف فإذا هو أُبَيّ بن كعب . فقال : يا فتى لا يسؤك الله ، إن هذا عهد من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أن نَلِيَه . ثم استقبل القبلة فقال : هَلَك أهل العقدة ورب الكعبة ثلاثا . ثم قال : والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على من أضلوا . قال قلت : من تعني بـهذا ؟ قال : الأمراء .
وقال الذهبي - في التلخيص - : على شرط البخاري .
وصحح إسناده الألباني والأرناؤوط .
قال النووي ( 4/116 ) – في شرح حديث " ليليني منك أولو الأحلام والنهى " - : وأولو الأحلام هم العقلاء ، وقيل البالغون ، والنُّهى - بضم النون - العقول .
بل قال - رحمه الله - : في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام ، لأنه أولى بالإكرام ، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى ، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن لـه غيره ، وليضبطوا صفة الصلاة ، ويحفظونـها ، وينقلوها ، ويعلموها الناس ، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم . ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يُقدّم أهل الفضل في كل مجمع إلى الأمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها ، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب ، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك . اهـ .

3 = من تسوية الصفوف إكمال الصفّ المقدَّم قبل غيره ، حتى إذا كان هناك نقص صار في الصف الأخير ، وقد تقدّم هذا في الحديث السابق .

4 = ومن تمام إقامة الصفوف أن لا تُقطع بالسواري ولا بالمنابر ، فإذا قُطِعتْ فإن الصلاة بينها تُكره ، إلا لحاجة.
قال الإمام البخاري : باب الصلاة بين السواري في غير جماعة .
ثم روى بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال ، ثم خرج فكنت أول الناس دخل على أثره فسألت بلالا : أين صلى ؟ قال بين العمودين المقدمين .
وهذا يعني أن الصفوف لا تكون بين السواري ، بل كانوا يَتّقون الصلاة بينها في الجماعة .
قال ابن حبان : هذا الفعل ينهى عنه بين السواري جماعة ، وأما استعمال المرء مثله منفردا فجائز .
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الحميد بن محمود قال : صليت إلى جنب أنس بن مالك بين السواري ، فقال : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : كنا نُنهى عن الصلاة بين السواري ، ونُطرد عنها طرداً .

5 = جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة
قال ابن عبد البر : جواز الكلام بين الإقامة والإحرام خلاف ما ذهب إليه العراقيون .
وقال الإمام النووي : وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة ، وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ، ومَنَعَه بعض العلماء ، والصواب الجواز ، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لغيرها أوْ لا لمصلحة .

6 = قال ابن الملقِّن :
ينبغي للإمام والراعي أمْر أتباعِه بالخير ، ومراقبته لهم في ذلك ظاهراً وباطناً ، والشّفقة عليهم في الدنيا والآخرة ، ولا يُهمل واحداً منهم ، ولا يخصّه بالمخاطَبَة ، بل يعمّ جميعهم بالخطاب ، وإن وقعتْ من واحد منهم . اهـ .

7 = وقال أيضا :
فيه أنه لا يُهمل مُخالفة ، حتى لو حصل الامتثال من الجميع ، وتخلّف واحد خُشي من شؤمه عليهم .

8 = الحرص على وِحدة الصفّ واجتماع الكلمة ، ونبذ أسباب العداوة ، وإن كانت يسيرة في البداية .

9 = ألفاظ الحديث :
القِدَاح :
قال الإمام النووي : القِداح بكسر القاف هي خشب السهام حين تُنحت وتُبرى واحدها قِدح بكسر القاف ، معناه يُبالِغ في تسويتها حتى تصير كأنما يُقوِّم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها . اهـ .
عَقَلْنا عَنْهُ : فَهِمْنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:52 pm

الحديث الـ77

في صفوف الصبيان والنساء
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ له , فَأَكَلَ مِنْهُ , ثُمَّ قَالَ : قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ .
قَالَ أَنَسٌ : فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ , فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ , فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ , وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا . فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ انْصَرَفَ .
وَلِمُسْلِمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ , وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا .
اليتيمُ : ضُميرة جدُّ حسين بن عبد اللهِ بن ضميرة .

في الحديث مسائل :
1 = جواز ذِكر اسم المرأة أُمّـاً كانت أو زوجة أو بنتاً أو أختاً ، ولا حرج في ذلك ولا عيب .
وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحرّجون من ذِكر اسم المرأة ، بل إنه عليه الصلاة والسلام سُئل أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة . رواه البخاري ومسلم .

2 = اختُلِف في عَود الضمير في قوله : " جدّته " هل هي جدّة أنس رضي الله عنه أو جدّة الراوي عن أنس إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وهو ابن أخي أنس رضي الله عنه .
قال ابن دقيق العيد : قِيلَ هِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ . وَقِيلَ : أُمُّ حَرَامٍ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلا يَصِحُّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ : رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . فَقِيلَ : الضَّمِيرُ فِي " جَدَّتِهِ " عَائِدٌ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّهَا أُمُّ أَبِيهِ . قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ . فَعَلَى هَذَا : كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ إِسْحَاقَ . فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ ذِكْرَهُ تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ جَدَّةَ أَنَسٍ . وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ : إنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ ، أُمُّ أُمِّهِ . فَعَلَى هَذَا : لا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ إِسْحَاقَ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ : فَالأَحْسَنُ إثْبَاتُهُ . اهـ .
أقول :
والذي يظهر أنها جدّة أنس رضي الله عنه ، إذ في رواية الصحيحين من طريق مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والضمير يعود لأقرب مذكور ، وهو أنس رضي الله عنه .
ولذا قال الحافظ في الإصابة (8/230) : واختلف في الضمير في قوله : " جدته " فقيل : لأنس ، وقيل : لإسحاق ، وجزم أبو عمر ([1]) بالثاني ، وقواه ابن الأثير فإن أنسا لم يكن في خالاته من قبل أبيه ولا أمه من تسمى مُليكة . قلت : والنفي الذي ذكره مردود فقد ذكر العدوي في نسب الأنصار أن اسم والدة أم سليم مليكة ولفظه : سُليم بن ملحان وإخوته زيد وحرام وعباد وأم سليم وأم حرام بنو ملحان ، وأمهم مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، وظهر بذلك أن الضمير في قوله جدته لأنس ، وهي جدته أم أمه ، وبَطَلَ قول من جعل الضمير لإسحاق وبنى عليه أن اسم أم سليم مليكة ، والله الموفق . اهـ .

3 = تواضع النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يُجيب الدعوة ولو على الشيء اليسير .
قال الحافظ العراقي في طرح التثريب :
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّوَاضُعِ ، وَإِجَابَةِ دَعْوَةِ الدَّاعِي . وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إجَابَةِ أُولِي الْفَضْلِ لِمَنْ دَعَاهُمْ لِغَيْرِ الْوَلِيمَةِ . اهـ .
وبمثله قال ابن دقيق العيد رحمه الله .
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه . قال أنس : فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام ، فقرّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة .
وعند الإمام أحمد : أن خياطا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فأتاه بطعام وقد جعله بإهالة سنخة وقرع .
والإهالة : ما أذيب من الشحم ، وقيل : الإهالة الشحم والزيت ، وقيل كل دهن أُوتُدِمَ به . ذكره العيني .
والسنخة : أي المتغيرة الرِّيح . قاله ابن حجر .
وقد أجاب صلى الله عليه وسلم دعوة امرأة يهودية حينما دعته إلى الطعام .
فقد روى الشيخان عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك ، فقالت : أردت لأقتلك . قال : ما كان الله ليسلِّطك على ذاك .

4 = قوله : " فَلأُصَلِّ لَكُمْ "
أي لأُصلِّ بكم ، أو لأُصلِّ لكم من باب التعليم ، أو من باب التشريف للمكان .
قال الحافظ العراقي أيضا :
وَفِيهِ أَيْضًا : جَوَازُ الصَّلاةِ لِلتَّعْلِيمِ ، أَوْ لِحُصُولِ الْبَرَكَةِ بِالاجْتِمَاعِ فِيهَا ، أَوْ بِإِقَامَتِهَا فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ . وَهُوَ الَّذِي قَدْ يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ " لَكُمْ " .

5 = فنضحتُه بِماءٍ : النَّضْحُ هُو الرشُّ ، وقد يُطلق على الغَسْل .
والعِلّة في النضح ذكرها أنس رضي الله عنه ، وهي أنه " قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ " .
وليس شكّـاً في طهارة الحصير ، إذ الطهارة يقين فلا يُنتقل منها إلا بيقين ، ولو تُيقِّنت نجاسته ما كفاه النضح
وقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقاً ، فربما تحضر الصلاة ([2]) وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيُكنس ثم يُنضح ثم يؤمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه ، فيصلي بنا ، وكان بساطهم من جريد النخل .
قال ابن عبد البر :
وأما نضح الحصير ، فإن إسماعيل بن إسحاق وغيره من أصحابنا كانوا يقولون : إنما كان ذلك لِيَلِين الحصير لا لنجاسة فيه ...
ثم قال : الذي أقول به أن ثوب المسلم محمول على الطهارة حتى يستيقن بالنجاسة ، وأن النضح فيما قد تنجّس لا يزيده إلا شراً ، وقد يسمى الغسل نضحا .
وقال الحافظ العراقي :
وَقَوْلُهُ " إلَى حَصِيرٍ قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ " أُخِذَ مِنْهُ : أَنَّ الافْتِرَاشَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِبَاسٌ . اهـ .

6 = المرأة لا تُصافّ الرجال بل تصف خلفهم ، ولو صلّى الرجل بزوجته فإنها تصفّ خلفه .
قال أنس رضي الله عنه : " وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا " .
قال الحافظ العراقي : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَوْقِفَ الْمَرْأَةِ وَرَاءَ مَوْقِفِ الصَّبِيِّ ، وَلَمْ يُحْسِنْ مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ صَحِيحَةٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ مِنْ صُوَرِ الْخِلافِ . اهـ .

7 = مسألة الاجتماع على النوافل .
قال الحافظ العراقي :
وَفِي الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاجْتِمَاعِ فِي النَّوَافِلِ خَلْفَ إمَامٍ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (23/132 ، 133 ) :
الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان :
أحدهما : سنة راتبة ، إما واجب وإما مستحب ، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ، فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة .
والثاني : ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل ، أو على قراءة قرآن ، أو ذكر الله ، أو دعاء ، فهذا لا بأس به إذا لم يُتَّخَذ عادة راتبة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى التطوع في جماعة أحيانا ولم يُداوم عليه إلا ما ذُكِر ، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمَرُوا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون ... فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوّع من غير أن يتّخِذوا ذلك عادة راتبة تُشبِه السنة الراتبة لم يُكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ، ولو ساغ ذلك لساغ أن يُعمل صلاة أخرى وقت الضحى ، أو بين الظهر والعصر ، أو تراويح فى شعبان ... اهـ .

8 = صحة صلاة من صافّ الصبي إذا كان مُميِّزاً .
قال الحافظ العراقي : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلاةِ الصَّبِيِّ وَالاعْتِدَادِ بِهَا . اهـ .

9 = هل تُخاطَب النساء بتسوية الصفوف ؟
الجواب : نعم
وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : خير صفوف الرجال أولها ، وشرّها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرّها أولها . رواه مسلم .
وهذا الْحُكم – والله أعلم – باقٍ ، وإن وُجِدت السّتُور ، أو كُـنّ في مُصَلَّيَات خاصة ، أعني كون خير صفوف النساء آخرها .
وقد رَمَل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطواف ، وأمَرَ أصحابه بذلك ليُروا المشركين من أنفسهم قوّة ، ومع ذلك فهو سُنة ، وإن ذهب سببه .

10 = الجمع بين الروايات التي أوردها المصنِّف رحمه الله
في الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأنس رضي الله عنه وباليتيم ، والعجوز من خلفهم .
وفي الثانية : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِأنس رضي الله عنه وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ , وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا .
يُحتمل أن يكون حضور اليتيم متأخِّراً ، أو مطويّاً في الرواية الثانية ، أو أن القصة مُتعدِّدة .

11 = جواز قول : " العجوز " عن الجدّة ، إذا كان لمجرّد الوصف ، وعادة لا يُقال أمامها ولا وهي تسمع !

12 = وفي الحديث أن المرأة تصف مُنفردة خلف الصفّ وصلاتها صحيحة ، بخلاف الرجل إذا صلى مُنفرداً من غير عُذر ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة لفرد خلف الصف . رواه الإمام أحمد وغيره .

13 = قول المصنِّف : اليتيمُ : ضُميرة جدُّ حسين بن عبد اللهِ بن ضميرة .
قال ابن حجر : قال صاحب العمدة اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة . قال ابن الحذاء : كذا سماه عبد الملك بن حبيب ولم يذكره غيره ، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله ، أو من غيره من أهل المدينة قال : وضميرة هو بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . اهـ .

-----------------------------
([1]) يعني ابن عبد البر رحمه الله .
([2]) محمول على غير الفريضة ، كأن يحضر وقت صلاة الضحى ونحوها ، ولم يُعهد عنه عليه الصلاة والسلام التأخّر عن إمامة الناس ، ولما تأخّر عليه الصلاة والسلام مرة واحدة أهمّ ذلك أصحابه رضي الله عنهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 8:59 pm

الحديث الـ78

في المصافّـة

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال : بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ . فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ . فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ .

في الحديث مسائل :

1 = قوله : " بِتُّ " المقصود بالبيتوتة ، هي إدراك الليل في المكان المقصود ، وليس من شرط البيات النّوم ، لقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ) .
ولذلك فإنه لا يُشترط النوم لصحة مبيت الحاجّ بمنى .
والذي يظهر أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يَنَم ، بدليل أنه وَصَف قيام النبي صلى الله عليه وسلم ووضوءه
ففي رواية للبخاري قال رضي الله عنهما : بِتُّ عند خالتي ميمونة ليلة ، فنام النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في بعض الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شَنّ معلق وضوءا خفيفا ، ثم قام يصلي ، فقمت فتوضأت نحوا مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره ، فحوّلني فجعلني عن يمينه ، ثم صلى ما شاء الله .
وفي رواية له : بِتّ عند خالتي ميمونة فقلت : لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2 = حرص ابن عباس رضي الله عنهما على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو إذ ذاك كان صغيراً .

3 = عدم كراهة بيات الصغير عند قريبته إذا لم يكره الزوج ذلك .

4 = موقف الاثنين وراء الإمام ، وليس عن يمينه ولا عن يساره .
ويدلّ عليه فِعله صلى الله عليه وسلم .
قال أنس رضي الله عنه : فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ .
قال الحافظ العراقي :
وَقَوْلُهُ " فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ " حُجَّةٌ لِجُمْهُورِ الأُمَّةِ فِي أَنَّ مَوْقِفَ الاثْنَيْنِ وَرَاءَ الإِمَامِ . وَكَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ يَرَى أَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ أَحَدِهِمَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَالآخَرِ عَنْ يَسَارِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقِفًا فِي الصَّفِّ . اهـ .
وقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه .
وأما ما رواه مسلم عن الأسود وعلقمة قالا : أتينا عبد الله بن مسعود في داره ، فقال : أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا : لا . قال : فقوموا فصلوا ، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة . قال : وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله . قال : فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا . قال : فضرب أيدينا وطبَّق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه .
فإنه محمول على النّسخ ؛ لأن تطبيق الأكفّ منسوخ ، ولذا أعقب مسلم هذه الرواية بالرواية الأخرى التي تُبين أنه منسوخ .
ثم إنه قول صحابي وقول الصحابي إنما يكون حجة إذا لم يُخالِف النصّ .

5 = موقف الواحد مع الإمام
إذا لم يكن مع الإمام إلا شخص واحد فإنه يقف عن يمين الإمام لحديث ابن عباس ، ففي رواية : فتوضأت فقام فصلى فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه .
وفي رواية للبخاري : فقام يُصلي ([1]) فقمت عن يساره ، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه .
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : فقمت خلفه ، فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه . رواه مسلم
ويقوم بحذاء الإمام ، أي يكون مُحاذياً له لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر .
ولذا قال الإمام البخاري رحمه الله :
باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواءً إذا كانا اثنين .

6 = إذا صلى شخص مع الإمام ثم دَخَل آخر فإنه يُشعر الإمام بدخوله ، ثم يسحب المأموم دون الإمام ، إلا أن يكون المكان ضيقاً .
وتقدّمت مسائل المصافّـة في الأحاديث السابقة من أحاديث الباب .

7 = من صلّى مُنفرِداً ثم جاء آخر فصفّ عن يساره . كيف يُديره للجهة اليُمنى ؟
يُديره من وراء ظهره لئلا يُمرِّره من بين يديه .
لأنه لو أداره من أمامه لوقع في النهي عن المرور بين يدي الْمُصلِّي ، والْمُصلِّي مأمور بِدفع من يمرّ بين يديه .
وفي رواية لمسلم : فقام يصلي من الليل ، فقمت عن يساره فتناولني من خلف ظهره ، فجعلني على يمينه .
وفي رواية في الصحيحين : فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يَفْتِلُها بيده .
وفي هذه الرواية جواز العمل اليسير في الصلاة إذا كان لمصلحة الصلاة .

8 = من صلّى يسار الإمام . هل تصح صلاته ؟
الذي يظهر صِحّة صلاته
قال الشافعي رحمه الله في الأم : لو وقف المأموم عن يسار الإمام أو خلفه كرهت ذلك لهما ولا إعادة . اهـ .
وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي : إن وقَفَ عن يسار الإمام صَحَّتْ صلاته لأن ابن عباس لما أحْرَم عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَارَه عن يمينه ولم تَبْطُل تحريمته ، ولو لم يكن موقِفَاً لاستأنف التَّحريمة .
ولا دليل على بُطلان صلاة من صلّى يسار الإمام .
ويُحمل فعله عليه الصلاة والسلام على الأفضل .

والله تعالى أعلم .

-------------------
([1]) يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 13, 2014 9:06 pm



شرح أحاديث عمدة الأحكام
باب الإمامة

1 = لما فَرَغ المصنِّف رحمه الله من باب الأذان أعقبه بـ " باب استقبال القبلة " ثم تلاه بـ " باب الصفوف " ثم عَقَدَ هذا الباب ، وهو باب الإمامة .
وهذا ترتيب منطقي جميل ، إذ لا صلاة إلا بعد دخول الوقت ويُعلم دخول الوقت بالأذان ، والصلاة لا بُدّ فيها من اتِّجاه إلى القبلة ، وإذا كانوا جماعة فيحتاجون إلى تسوية صفوف ، ولا يكون الإمام إلا بجماعة .

2 = ما معنى الإمامـة ؟
قال ابن منظور في لسان العرب : و أمّ القوم و أمّ بهم تقدمهم ، وهي الإمامة ، والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المسقيم أو كانوا ضالين . اهـ .

وتُطلق على الولاية الكبرى ، وهي الإمامة العُظمى ، أي ولاية أمر المسلمين ، لأن الإمام يتقدّم الناس ، سواء في الصلاة أو في القتال أو في غيرها ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به . رواه البخاري ومسلم .
ومن هذا الباب كان النبي صلى الله عليه وسلم يتقدّم الصفوف .
قال البراء رضي الله عنه : كُنا والله إذا احمرّ البأس نتّقي به ، وإن الشجاع مِنا للذي يُحاذي به ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم .
وهذا القول يقوله رجل من أشجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ، وهو البراء الذي كان يُلقّب بـ " الْمَهلَكة " .
ذَكَر ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين أنه قال : كَتَبَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم .
وتُطلق على إمامة الْمُصلِّين ، وهي بالنسبة للأئمة تكليف ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : المؤذنون أمناء ، والأئمة ضمناء ، اللهم اغفر للمؤذنين ، وسدد الأئمة . رواه ابن خزيمة وغيره .
وقال عليه الصلاة والسلام عن الأئمة : يُصَلُّون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم . رواه البخاري .
وفي رواية عند الإمام أحمد : يُصَلُّون بكم ، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الإثنين أبريل 14, 2014 1:15 pm

الحديث الـ79

في التحذير من مسابقة الإمام
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ , أَوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ؟

في الحديث مسائل :

1= من روايات الحديث :
في رواية للبخاري : أما يخشى أحدكم ، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار ، أو يجعل الله صورته صورة حمار ؟
وفي رواية لمسلم : ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام أن يحول الله صورته في صورة حمار ؟

2= ما معنى الخشية ؟
قال ابن القيم رحمه الله : الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مُترادفـة .
وقال : وقيل الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره والخشية أخصّ من الخوف .
وقال المناوي : الخشية تألم القلب لتوقع مكروه مستقبلا ، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد ، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته ومنه خشية الأنبياء .
وبعضهم قيّد الخشية بما كان في حق الله ، والخوف في حق الآدميين ، وهو مُتعقّب .
ففي التنزيل : ( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .
وفيه أيضا : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) .
قال السمعاني : والخشية والخوف بمعنى واحد ، وفرّق بعضهم بينهما ، فقال الخشية : ما لا يُعرف سببه ، والخوف ما يٌعرف سببه ، وهو ضعيف .
والخشية هنا بمعنى الخوف ، والمعنى : أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يكون كذا ؟
بدليل الرواية الثانية : ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام .. ؟

3= حالات المأموم مع الإمام
للمأموم مع الإمام أربع حالات ، وهي :
المسابقة
المتابعة
الموافَقة
التأخّر

والمسارعة مُحرّمة لهذا الحديث ، فإن فيه وعيداً شديداً ، وتهديداً أكيداً .
وحديث : إنما جُعِل الإمام إنما الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا : اللهم ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا . رواه البخاري ومسلم ، وسيأتي .
وفي رواية لمسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذا قرأ فأنصتوا .
وحديث صلاته عليه الصلاة والسلام جالسا فصلوا بصلاته قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا رواه البخاري ومسلم ، وسيأتي .
قال ابن حجر رحمه الله : الأمر بالاتِّباع يعمّ جميع المأمومين ، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتِّباع بعض دون بعض . اهـ .
والمسارعة إذا وَقعتْ في تكبيرة الإحرام لم تنعقد الصلاة ولا تصحّ ، لأن الذي كبّر قبل الإمام لم يقتدِ بإمامه ولا صلى مُنفرِداً .
وكذلك إذا سابق الإمام في التسليم من الصلاة من غير عُذر بَطَلتْ صلاته .
وفعل ذلك في سائر الصلاة مُحرّم .
ولذلك قال الإمام النووي بعد أن ذكر روايات الحديث : هذا كله بيان لغلظ تحريم ذلك .
قال ابن عبد البر رحمه الله في مسألة مسابقة الإمام : وللعلماء فيمن تعمّد ذلك قولان :
أحدهما أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها عامدا ، وهو قول أهل الظاهر ؛ لأنه فعل فعلا طابق النهي ... ومن تعمد خلاف إمامه عالما بأنه مأمور باتباعه منهي عن مخالفته ... فقد استخفّ بصلاته وخالف ما أُمِر به فواجب ألا تجزئ عنه صلاته تلك .
وقال أكثر الفقهاء : من فعل ذلك فقد أساء ، ولم تفسد صلاته ؛ لأن الأصل في صلاة الجماعة والائتمام فيها سنة حسنة ، فمن خالفها بعد أن أدّى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها ، وإن أسقط بعض سننها ؛ لأنه لو شاء أن ينفرد قبل إمامه تلك الصلاة أجزأت عنه وبئس ما فعل في تركه الجماعة . اهـ .
وقال ابن حجر : ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته . وعن ابن عمر تبطل ، وبِهِ قال أحمد في رواية ، وأهل الظاهر بناء على أن النهى يقتضى الفساد . وفي المغني عن أحمد أنه قال في رسالته : ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث . قال : ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثواب ولم يُخشَ عليه العقاب . اهـ .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن يرفع قبل الإمام ويخفض ، ونُهي فلم ينته . فما حكم صلاته ؟ وما يجب عليه ؟
فأجاب :
أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة ، لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله ، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهى عن ذلك كقوله في الحديث الصحيح : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، إني قد بدنت . وقوله : إنما جعل الإمام ليؤتم به ؛ فإذا كبّر فكَبِّرُوا ، وإذا ركع فاركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ، ويرفع قبلكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتلك بتلك ، وإذا قال سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، يسمع الله لكم ، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم ، فتلك بتلك ، وكقوله : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوّل الله رأسه رأس حمار ؟ وهذا لأن المؤتم مُتّبِع للإمام مُقتدٍ به ، والتابع المقتدى لا يتقدّم على مَتبوعه وقُدوته ، فإذا تقدّم عليه كان كالحمار الذي لا يفقه ما يُراد بعمله ، كما جاء في حديث آخر : مثل الذي يتكلم والخطيب يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا . ومَنْ فَعَلَ ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه وأمثاله ، كما رُوي عن عمر أنه رأى رجلا يسابق الإمام فَضَرَبَـه ، وقال : لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت . وإذا سَبَقَ الإمام سهواً لم تبطل صلاته لكن يتخلّف عنه بقدر ما سبق به الإمام ، كما أمر بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن صلاة المأموم مُقدّرة بصلاة الإمام ، وما فعله قبل الإمام سهوا لا يبطل صلاته ، لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهوا ، فكان كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا ، وذلك لا يَبطل بالسنة والإجماع ، ولكن ما يفعله قبل الإمام لا يَعتد به على الصحيح ، لأنه فعله في غير محله ، لأن ما قبل فعل الإمام ليس وقتاً لفعل المأموم ، فصار بمنْزِلة من صلى قبل الوقت ، أو بِمَنْزِلة من كبر قبل تكبير الإمام ، فإن هذا لا يُجزِئه عما أوجب الله عليه ، بل لابد أن يُحرِم إذا حل الوقت لا قبله ، وإن يُحرِم المأموم إذا أحرم الإمام لا قبله ، فكذلك المأموم لابد أن يكون ركوعه وسجوده إذا ركع الإمام وسَجَدَ لا قبل ذلك ، فما فعله سابقا وهو ساه عُفي له عنه ولم يُعتد له به ، فلهذا أمره الصحابة والأئمة أن يتخلّف بمقداره ليكون فعله بقدر فعل الإمام ، وأما إذا سبق الإمام عمداً ففي بطلان صلاته قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره ، ومن أبطلها قال إن هذا زاد في الصلاة عمداً فتبطل ، كما لو فعل قبله ركوعا أو سجودا عمداً فإن الصلاة تبطل بلا ريب ، وكما لو زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا عمدا ، وقد قال الصحابة للمُسَابِق : لا وحدك صلّيت ولا بإمامك اقتديت . ومن لم يُصلِّ وحده ولا مؤتماً فلا صلاة له ، وعلى هذا فعلى المصلِّي أن يتوب من المسابقة ، ويتوب من نقر الصلاة وترك الطمأنينة فيها ، وإن لم يَنْتَهِ فعلى الناس كلهم أن يأمروه بالمعروف الذي أمره الله به ، وينهوه عن المنكر الذي نهاه الله عنه ، فإن قام بذلك بعضهم وإلا أثِمُوا كلهم ، ومن كان قادرا على تعزيره وتأديبه على الوجه المشروع فعل ذلك ، ومن لم يمكنه إلا هجره وكان ذلك مُؤثِّراً فيه هجره حتى يتوب ، والله أعلم .

4 = المشروع في حق المأموم هو المتابعة ، للحديث السابق : إنما جُعِل الإمام إنما الإمام ليؤتم به .
ولقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه . رواه البخاري ومسلم ، وسيأتي .
والموافقة أن يُوافِق الإمام في حركاته ، فيركع المأموم مع الإمام ، ويسجد معه ، وبعض المأمومين يرقب الإمام ويلحظه بعينه فإذا تهيأ الإمام للركوع – مثلاً – تجده يتهيأ فيركع معه سواء بسواء .
وهذا خلاف السنة .
والتأخّر يقع في إكمال المأموم للقراءة ، أو في الدعاء في السجود أو في التشهد أو في القيام ، وكلّه خلاف الاقتداء بالإمام ، فإن الفاء للتعقيب ، " فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ... " .
ويُخطئ بعض المأمومين عندما يقوم الإمام للركعة فيجلس هو من غير عُذر ، بل رأيت بعض المأمومين يجلس إلى قُرب الركوع أو إلى انتهاء الفاتحة ، ومن فَعل ذلك من غير عُذر بَطَلت صلاته ، لأن القيام رُكن من أركان الصلاة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : صَلِّ قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب . رواه البخاري .

5 = التهديد في هذا الحديث ، هل هو على ظاهره حقيقة أو هو غير ذلك ؟
أي في قوله صلى الله عليه وسلم : " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ , أَوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " .
قال الحافظ ابن حجر :
واختلف في معنى الوعيد المذكور ؛ فقيل : يحتَمل أن يَرْجِع ذلك إلى أمر معنوي ، فإن الحمار موصوف بالبلادة ، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام ، ويَرَجِّح هذا المجازي أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين ، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بُدّ وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك ، وكون فعله ممكنا لأن يقع عنه ذلك الوعيد ، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء ، قاله بن دقيق العيد . وقال ابن بزيزة : يَحتَمَل أن يُراد بالتحويل المسخ ، أو تحويل الهيئة الحسية ، أو المعنوية أو هما معا ، وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك ...
ويُقَوِّي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد : " أن يُحَوِّل الله رأسه رأس كلب " فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بَلادَة الحمار ، ومما يُبعده أيضا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة ، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأَجْلِ البلادة لقال مثلا : فرأسه رأس حمار . وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور فلا يَحْسُن أن يقال له : يُخْشَى إذا فعلت ذلك أن تصير بليداً ، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة . وقال ابن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة : هذه اللفظة تمنع تأويل من قال المراد رأس حمار في البلادة . ولم يُبَيِّن وجه المنع . اهـ .
ثم قال الحافظ :
لطيفة :
قال صاحب القبس : ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال ، ودواؤه أن يَستحضر أنه لا يُسَلِّم قبل الإمام ، فلا يستعجل في هذه الأفعال .

والله تعالى أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 9انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديـــــــــات حى على الـــــــــــــــــفلاح الإســــلامى :: منتدى فقه المسلم-
انتقل الى: