منتديـــــــــات حى على الـــــــــــــــــفلاح الإســــلامى


Uploaded with ImageShack.us


منتدى اسلامى متخصص فى الدعوه إلى الله والمناصحه بين المسلمين وعلوم القراءات العشر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخولمكتبة الصور
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
الله ألفاظ ابراهيم سيّدنا حياته مولد العام قصّة الحكمه رسول الحديث ميلاد أباه، اسماء محمد الحسنى إبراهيم الحكمة سيدنا الدعوة منهج النبي السيرة المسيح وراء الانبياء
المواضيع الأخيرة
» ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
الجمعة أكتوبر 19, 2018 7:22 pm من طرف ثروت

» كانت صائمة قضاء رمضان ودعتها أختها لطعام فأفطرت
الجمعة أكتوبر 19, 2018 3:11 pm من طرف ثروت

» الحلف بغير الله
الجمعة أكتوبر 19, 2018 3:06 pm من طرف ثروت

»  الشرك أعظم الذنوب
الجمعة أكتوبر 19, 2018 3:02 pm من طرف ثروت

» صوره رائعه
الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 5:33 pm من طرف اروه احمد

» أين تذهب الروح أثناء تخدير جسد الإنسان؟
الثلاثاء أكتوبر 16, 2018 4:23 pm من طرف اروه احمد

» وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
الجمعة أكتوبر 05, 2018 3:57 pm من طرف ثروت

» حكم بيع الطبيب الأسنان التي يخلعها لطلبة الطب
الجمعة سبتمبر 28, 2018 2:46 pm من طرف ثروت

» اتقوا الظلم
الجمعة سبتمبر 28, 2018 2:31 pm من طرف ثروت

أكتوبر 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأحد أبريل 06, 2014 8:46 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد

بعون الله ومدده سنتناول شرح احاديث عمدة الاحكام وذلك حسب ابواب الفقه إن شاء الله برجاء عدم الرد على الموضوعات

الباب الاول : الطهاره
الحديث الأول :
حديث عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه . متفق عليه .

= هذا حديث عظيم
ولذا فإن العلماء يُصدّرون به مصنفاتهم كما فعل الإمام البخاري .
وقيل في تعليل ذلك : لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف .
قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفتُ كتابا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب . وقال : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ .
قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فرُويَ عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث :
حديث عمر " إنما الأعمال بالنيات " ، وحديث عائشة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وحديث النعمان بن بشير " الحلال بيّن والحرام بيّن " .

= والنيّة في اللغة هي القصد والإرادة .

= وفائدة النيّة :
تمييز العبادات بعضها عن بعض
وتمييز العبادات عن العادات

فالأول مثل تمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر ، وتمييز صلاة النافلة عن صلاة الفريضة .
وكتمييز صوم رمضان عن صوم النافلة .

والثاني مثل تمييز غُسل الجنابة عن غُسل التطهّر والتّبرّد .

وقد قيل :
بصلاح النيّات تُصبح العادات عبادات
وبفساد النيّات تُصبح العبادات عادات
فالعادات من أكل وشُرب ونوم ونحو ذلك إذا صلحت فيها النيّة أصبحت عبادات ، إذ الوسائل لها أحكام المقاصد .
والعبادات إذا فسدت فيها النيّات أو غاب عن صاحبها استحضارها ولم يرد عليه الاحتساب كانت أعماله عادات أو كالعادات . لا قيمة لها ولا روح .

= وضابط حصول النيّة وترتّب الأجر عليها ما قاله ابن المُلقِّن حيث قال : والضابط لحصول النيّة أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع ، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع ، كانت حاصلة مُثاباً عليها ، وإلا فلا ، وإن لم يقصد ذلك كان عملاً بهيمياً ، ولذا قال بعض السلف : الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نيّة . انتهى .
= وضابط حصول الأجر من عدمِه أن تكون الحسنة أو السيئة همّـاً عند العبد ، كما في حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك ؛ فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة . متفق عليه .

= وإذا صلحت النيّة فربما بلغ العبد منازل الأبرار ، وتسنّم المراتب العُلى بحسن نيّته .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
إنما الدنيا لأربعة نفر :
عبد رزقه الله عز وجل مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله عز وجل فيه حقه . قال : فهذا بأفضل المنازل .
قال : وعبد رزقه الله عز وجل علما ولم يرزقه مالا قال فهو يقول : لو كان لي مال عملت بعمل فلان قال فاجرهما سواء .
قال : وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل .
قال : وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مال لعملت بعمل فلان . قال : هي نيته فوزرهما فيه سواء . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح .

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معـكم . قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر . رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه ، ورواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .

= فائدة
لا علاقة لورود هذا الحديث بحديث مهاجر أم قيس .
وحديث أم قيس قال عنه الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح .
وقال الذهبي - بعد أن ذكر رواية الطبراني - : إسناده صحيح .
وقال ابن حجر - بعد أن ذكر رواية الطبراني - : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيق بسبب ذلك ، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك .

وهناك عدة مباحث في النيّة ، كدخول الرياء في العمل وتفصيل ذلك ، وكتشريك النيّة ، وتغييرها ، وكنيّة ترك ما حـرّم الله ، ونحو ذلك ، ولكني أراني أطلت .
=========================
تفصيل مسألة دخول الرياء على النيّة
ينقسم العمل الذي يُخالطه أو يُصاحبه الرياء بالنسبة لقبول العمل من عدمه إلى أقسام :
أن يُصاحبه الرياء من أصل العمل فيحبط العمل بالكليّة .
أن يطرأ عليه الرياء خلال العمل دافعه فإنه لا يضرّه ، وإن لم يُدافع الرياء فَلَهُ حالات :
إن كان العمل مما يتجزأ ، كالصدقة ونحوها ، فما دَخَلَه الرياء فهو حابط ، وما لم يدخل الرياء لم يحبط .
وإن كان مما لا يتجـزأ كالصلاة ونحوها فإنها تحبط ، لعـدم مُدافعته للرياء .
والنيّة أصل في صلاح الأعمال
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه ، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع .
والمُراد بذلك النيّة .
========
والرياء في العمل يكون وبالاً وعذاباً وحسرةً على صاحبه يوم القيامة ، يوم يُشهّر بصاحبه على رؤوس الأشهاد ، وعندها تزداد حسرته وندامته .
فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . رواه مسلم عن ابن عباس ، وروى البخاري مثله عن جندب بن عبد الله .

قال العز بن عبد السلام : الرياء أن يعمل لغير الله ، والسمعـة أن يخفي عمله لله ، ثم يحدث به الناس .
قال الفضيل بن عياض : كانوا يقولون ترك العمل للناس رياء ، والعمل لهم شرك . عافانا الله وإياك .

وإخلاص العمل لله سبب لسلامة القلب
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يَـغِـلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه أحمد وأهل السنن .
قال ابن عبد البر : معناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبـداً ، يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفـاق إذا أخلص العمل لله ، ولزم الجماعـة ، وناصح أولي الأمر .
وقال ابن رجب : هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم . انتهى كلامه - رحمه الله - .
فعدمُ الإخلاص يُورث القلبَ الأضغان والأحقاد .

ومما بقي في شرح هذا الحديث مسائل :

الأولى : ما يتعلق بألفاظ الحديث
الثانية : الكلام على الهجرة
الثالثة : الاحتساب في المباحات وفي التّ{وك

فالمسألة الأولى : ما يتعلق بألفاظ الحديث ، ومنها :

إفادة الحصر في قوله : إنما الأعمال بالنيات .

وتقديرها : إنما تكون الأعمال صالحة ومقبولة عند الله بالنيات الصالحة .

وقوله : وإنما لكل امرئ ما نوى . وإن أظهر غير ذلك ، فالله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية .

ولذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ، ويقاتل حمية ، فرفع إليه رأسه ، فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل . رواه البخاري ومسلم .

وهذا جواب الحكيم – كما يُقال – فلم يُعدد عليه الأغراض التي لا تكون في سبيل الله لكثرتها ، وإنما حصر له الجواب في تحديد من هو في سبيل الله عز وجل .

وعند النسائي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : من غزا في سبيل الله ولم ينوِ إلا عقالاً فله ما نوى .

وقوله عليه الصلاة والسلام : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله . أعاد الجملة الثانية معطوفة على الأولى لأهمية هذا العمل ، وهو الهجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

بينما في آخر الحديث قال : فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه . لم يُعد الجملة كما في الأولى لسببين :
الأول : حقارة هذا الأمر الذي يُهاجر الإنسان من أجله .
الثاني : لتعدد الأغراض التي يُهاجر لها الناس ، فلا تنحصر في دنيا أو زواج .

والمسألة الثانية : الكلام على الهجرة

فالهجرة في اللغة تُطلق على التّـرك

وفي الاصطلاح : الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام .

والهجرة باقية ما بقيت التوبة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها . رواه الإمام أحمد وأبو داود .

وأما قوله عليه الصلاة والسلام : لا هجرة بعد الفتح . كما في الصحيحين ، فالمقصود به لا هجرة مِن مكة – شرّفها الله وحرسها – لأنها صارت دار الإسلام ، فلا يُهاجر منها .

والهجرة أنواع :
هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام

وهجرة من بلد البدعة إلى بلد السنة

وهجرة من بلد المعصية إلى بلد الطاعة

ومن ذلك : هَجْر ما نهى الله عنه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : والمهاجر مَنْ هَجَرَ ما نهى الله عنه . رواه البخاري .

والمسألة الثالثة : الاحتساب في المباحات وفي التّروك

عندما يحتسب المسلم في أكله وشُربه ونومه وقيامه فإنه يؤجر على نيته هذه .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يؤجر في أخص حظوظ نفسه ، فقال : وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام . أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا . رواه مسلم .

ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ، قال لهما : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تُنفّرا . فانطلق كل واحد منهما إلى عمله ، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه ، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا ، فسلّم عليه ، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه ... فقال معاذ حين نزل : يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال : أتفوّقه تفوقاً . قال أبو موسى : فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال : أنام أول الليل ، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم ، فأقرأ ما كَتَبَ الله لي ، فأحتسب نومتي ، كما أحتسب قومتي . رواه البخاري ومسلم .

فقوله رضي الله عنه : أحتسب نومتي ، كما أحتسب قومتي .

أي أنه يحتسب في نومته ، وينوي بها الاستعانة والتّقوّي على قيام الليل .

فالمسلم إذا استحضر النية فإنه يؤجر في سائر عمله ، حتى في المباحات .

قال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه : أوصني . قال : يا بُني انوِ الخير فإنك بخير ما نويت الخير .

وقال زيد الشامي : إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب . وقال : انوِ في كل شيء تريد الخير ، حتى خروجك إلى الكناسة .

وعن داود الطائي قال : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية ، وكفاك بها خيرا وإن لم تَنْصَب . ذكره ابن رجب .

أي وإن لم تتعب فإنك تؤجر على حُسن نيتك .

وقيل لنافع بن جبير : ألا تشهد الجنازة ؟ قال : كما أنت حتى أنوي . قال : ففكر هنيهة ، ثم قال : امض !

فالمسلم بحاجة إلى تعاهد نيته ، ومراجعتها في كل عمل

قال سفيان الثوري : ما عالجت شيئا أشد عليّ من نيتي ؛ لأنها تنقلب عليّ .

هذه نتف من الفوائد المتعلقة بهذا الحديث النبوي العظيم .

وللحديث بقية عبارة عن أسئلة وردتني .

ثم وردني هذا السؤال من إحدى الأخوات
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ...
الشيخ الفاضل ..
جزيت خيرا على طرحك لهذا الدرس المميز .. و نسأل الله العلي العظيم ان ينفعنا و إياكم به و يجعله في ميزان حسناتكم يوم نلقاه ...
شيخي الفاضل .. لقد وفيت في شرحك و بخاصة عن الرياء و كنت على وشك سؤالك عنه
فمن المعروف انه الرياء هو الشرك الأصغر و هو أخفى من دبيب النمل ...
و أحيانا يكون الأصل في العمل وجه الله و القرب منه
فما تشعر إلا و قد خالط نفسك شئ ... تحاول جاهدا ان تدفعه ...
فأحيانا تجد ان الشيطان يقول لك لا تخاشع لأن الناس يرونك و أحيانا تخاشع لن الله يراك
فتحتار .. و تخاف في عملك ما الذي تفعله حينها ...
و إذا كان الرياء خفيا لا يستشعر .. كما علمت انه اخفى من النملة على صخرة سوداء في ليلة دهماء فكيف ادفعه عن نفسي ؟؟؟
وهل هناك من دعاء أدعو به .. لأتقي هذا الشر
و جزاك الله عني خيرا
الجواب :
وشكر الله لك هذه الإفادة والإضافة
أما إذا جاء الشيطان ليُدخل الرياء على المسلم ، فعلى المسلم مدافعة الرياء ولا يضرّه .
فإذا جاء الشيطان أو ورد الوارد لتحسين العمل فعلى المسلم أن يتذكّر : أن الناس لا يملكون له نفعا ولا ضرا ، وبالتالي فليس هناك دافع للعمل لأجلهم .
وقد نقل ابن القيم - رحمه الله – عن عبد القادر الكيلاني - رحمه الله - أنه قال : كُـن مع الحق بلا خلق ، ومع الخلق بلا نفس .
ثم قال ابن القيم معلِّقاً : فتأمل ما أجلّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل .
فإذا قام المسلم يُصلّي – مثلاً – جاءه الشيطان ليُحبط عمله ، فيقول : له فُلان ينظر إليك وإلى عملك فأحسن العمل
فلا يلتفت إلى هذا ويبقى على ما كان عليه ولا يترك العمل لأجل ذلك ، كما تقدم في كلمة الفضيل بن عياض . [ والكلام يطول في تفصيل ذلك ]
من أجل ذلك كان السلف يحرصون على إخفاء العمل ، وأن يجهد الإنسان أن يُخفي العمل ما استطاع .
من أجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع . رواه البيهقي ، وقال المنذري : إسناده جيّد ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .
وقال عليه الصلاة والسلام : فصلوا أيهـا الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . متفق عليه من حديث زيد بن ثابت
ورواه أبو داود بلفظ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة .
فصلاة الرجل النافلة حيث لا يراه أحد أفضل من صلاته في مسجده صلى الله عليه وسلم .

وأما ما يُذهب الرياء
فأسوق إليك هذا الحديث بطوله وقد تضمّن قصة
روى البخاري في الأدب المفرد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، للشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل .
فقال أبو بكر : وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، للشِّرك أخفى من دبيب النمل ، ألا أدلك على شيء إذا قـُـلتـه ذهب عنك قليله وكثيره ؟
قال : قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم .
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .

وهذا سؤال آخر من أخت أخرى فاضلة :
جزاك الله خير فضيلة الشيخ السحيم...
بس عندي بعض الاستفسارات...
- سمعت مرة من أحد الشيوخ ، إن لا يجب النطق بالنية، يكتفي الفعل... مثلاً: نية الصوم، القيام للسحور... فهل الأفعال تكفي عن النية اللفظية؟؟ إذا كان لا.. فهل هناك صيغة محددة أو محببة للنية؟؟
و جزاك الله خير أخوي.. و جعله في ميزان حساناتك..
الجواب :
بارك الله فيك أختي الفاضلة
هذه مسألة مهمة فاتني التنبيه عليها
فأقول :
لا يجوز التـّـلفّـظ بالنية ، إذ التـّـلفّـظ من محدثات الأمور
قال ابن عمر لما سَِمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج والعمرة . فقال له : أتُعلّم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟

فلا يتلفّظ بالنية حتى عند إرادة الحج والعمرة
فلا يقول عند إرادة عقد الإحرام : اللهم إني أريد الحج والعمرة .
وإنما يُلبّي بالحج والعمرة معاً أو بأحدهما
فيقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجة
أو : لبيك عمرة
وهذا ليس من التلفظ بالنية إنما هو بمنزلة التكبير عند دخول الصلاة .

وكذلك إذا أراد الصلاة فلا يقول – كما يقول بعض الجهلة : - اللهم إني أريد أصلي صلاة الظهر أربع ركعات .
فإن هذا لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم .

وكذا الأمر بالنسبة لسائر العبادات ؛ لأن النيّة محلّها القلب .
فيكفي فيها عقد العزم على الفعل .
كما أن نيّة تبييت الصيام من الليل لصوم الفريضة تكفي من أول شهر رمضان إلا أن يقطع النية بسفر أو فطر لمرض وعذر .
ويكفي في النية العزم على الفعل
فإنه إذا عزم على صيام يوم غد ثم صامه أجزأته النية التي عقدها بقلبه .
ويُقال نفس الكلام في نية الصلاة ، ولكن لا بد من تعيين النيّة لتلك الصلاة
هل هو يُريد صلاة الظهر أو العصر مثلاً
وكذلك الوضوء ، فإذا توضأ المسلم ، وهو ينوي رفع الحدث ارتفع حدثه
ولو اغتسل ونوى بالغسل اندراج الوضوء تحته أجزأه

وهكذا .
فالنيّة محلّها القلب ولا يجوز التلفظ بها ، بل التلفظ بها بدعة محدَثة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
والله أعلم

وهذا سؤال ثالث من أخت فاضلة ثالثة :
أول كلمة اقولها في هذه الزاوية ..
أستاذي الحبيب ..جزاك الله خير الدنيا والآخرة ..وكتب لك بها الرضى والعافية والأجر في الدنيا والأخرة وسدد خطاك ..وحفظك وزادك من فضله في الدنيا والأخرة
الشيء الثاني ..ربي لا يحرمنا منك ..
كيف أشكرك ..وكيف ارد الجميل ..كانت هذه الدروس ستفوتني ..لو لا دعوتك المباركة ..الله يحفظك
عندي سؤال بعد أذنك
ألا تحتاج بعض الأعمال إلى إظهارها وعملها علنا أمام الخلق طمعا في اقتداء الناس بهذا العمل..كحفظ القرآن الكريم على سبيل المثال ..اتمنى أن اعرف الإجابة ..
الجواب :
بورك فيك واحسن الله إليك
بل أنا أشكر استجابتك وحضورك
وحيّاك الله أختاً لنا مشاركة ومُفيدة في الوقت نفسه
أخيّه :
الأصل في الأعمال الإخفاء ( أن تُخفى )
لقوله سبحانه : ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ )
وفي حديث السبعة الذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه قال صلى الله عليه وسلم فيهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه . متفق عليه .
وبوّب عليه الإمام البخاري : باب صدقة السر .
وعقد قبله باباً : باب صدقة العلانية ، ثم ساق قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
وقد تقدّم أن إخفاء العمل الصالح أبلغ في الإخلاص
وحال السلف يدل على ذلك ، وسأذكر بعض الأمثلة بعد ذلك إن شاء الله
غير أنه إذا طمِع المسلم أو المسلمة في الاقتداء به بذلك العمل فله أن يُظهره شريطة أن يُجاهد نفسه ، لأن الشيطان سيُدخل عليه الرياء .
ومن هنا فقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم بعض أعمالهم لما احتاجوا إلى ذلك

فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنه قال : كنا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعّـر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة ) إلى آخر الآية : ( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) والآية التي في الحشر ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال : ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت . قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة . الحديث .

فهذا الأنصاري قد جاء بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت
وكان هذا على مرأى ومسمع من الناس .
فإذا اقتضت المصلحة إظهار العمل الصالح فإنه يُظهره لتلك المصلحة فحسب .
والله أعلم .

كنتُ قد وعدت أن أسوق شيئا من أحوال السلف في إخفاء العمل وحرصهم على ذلك واجتهادهم فيه ، وهذا أوان الشروع في المقصود :

لما رأى ابن عمر رجلاً يُصلي ويُتابع قال له : ما هذا ؟ قال : إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر : أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان .
ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن : قلت : أنا ، ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .
فقوله – رحمه الله – : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .
وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .

وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِـرّاً ؛ إن كان ليجئ الرجـل وقد نَشَـرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه .

قال الأعمش : كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقـرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال : لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .

قال عبدة بن سليمان : كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمـه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال : و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .

قال محمد بن القاسم : صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابناً لـه صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا
أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء .

وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول : ما أشدّ الزكام .

هذا نزر يسير من حرصهم على إخفاء أعمالهم حتى لا يدخلها الرياء ، ولا يجد الشيطان مدخلا إلى نفوسهم .
فرحم الله سلف هذه الأمة ما أعظم فقههم وما أدق فهمهم .

فائــدة :
لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء القضاة فقال له : أصلح الله القاضي كم آكل ؟
قال : فوق الجوع ، ودون الشبع .
قال : فكم أضحك ؟
قال : حتى يُسفر وجهك ، ولا يعلوا صوتك .
قال : فكم أبكي ؟
قال : لا تمل البكاء من خشية الله .
قال : فكم أخفي من عملي ؟
قال : ما استطعت .
قال : فكم أظهر منه ؟
قال : ما يقتدي بك الحريص على الخير ، ويُؤمن عليك قول الناس .

وسألت أخت كريمة فاضلة ، فقالت :
حديثين شيخنا الفاضل ... هل يمكن أن نعلم مدى صحتهما بارك الله فيك :
( نية المؤمن أبلغ من عمله ونية الفاجر شر من عمله )
وفي رواية ( إن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته مالايعطيه على عمله ) لأن النية لارياء فيها والعمل يخالطه الرياء ....
وبارك الله فيكم
الجواب :
بورك فيك أختي الفاضلة ، وشكر الله سعيك وحيّاك معنا
وزادك الله فقهاً وحرصا على طواعية الله ورسوله

أما الحديث الأول فهو بلفظ : نية المؤمن خير من عمله ، وعمل المنافق خير من نيته ، وكل يعمل على نيته ، فإذا عمل المؤمن عملا ، ثار في قلبه نور .
فهو حديث ضعيف المعنى والمبنى
وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع برقم 5977
وقد تكون نيّة المؤمن خيرٌ من عمله كما تقدم في حديث : " إنما الدنيا لأربعة نفر "
وكما في قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته .
وفيه قصة ، وذلك أن عبد الله بن ثابت كان قد تجهز للغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات قالت ابنته : والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً ، فإنك كنت قد قضيت جهازك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته . رواه الإمام أحمد وغيره ، وهو حديث صحيح .
وقد يكون العمل أبلغ ، خاصة إذا كان بعيداً عن أعين الناس ، أو كان نفعه مُتعدّياً .

وأما الرواية الثانية التي أشرتِ إليها
إن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته مالا يعطيه على عمله .
وهي بقية الحديث الأول ، وأشار إلى ضعفها العجلوني في كشف الخفاء
ولم أرها في شيء من كتب السنة إلا في مسند الفردوس بلفظ :
نية المؤمن خير من عمله وإن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله وذلك إن النية لا رياء فيها والعمل يخالطه الرياء .
ولا يصح .
والله أعلم .
ألى لقاء فى الحديث الثانى


عدل سابقا من قبل ثروت في الأحد أبريل 06, 2014 9:00 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:24 am

شرح الحديث الـ 199
في تعجيل الإفطار


عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر .

في الحديث مسائل :

1= ورد في بعض نسخ العُمدة زيادة : وأخّروا السّحور .
وهي ليست في الصحيحين بل ولا في الكُتب الستة ، وهي زيادة ضعيفة .
ويظهر أنها من زيادة بعض النُّسّاخ .

ويُغني عنها قوله عليه الصلاة والسلام : إنا معاشر الأنبياء أُمرنا بثلاث : بتعجيل الفطر ، وتأخير السحور ، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . رواه الحاكم وغيره ، وهو في صحيح الجامع

2= ما هي العلّة في تعجيل الإفطار ؟
مُخالفة اليهود ومن وافقهم ممن ينتسب إلى الإسلام !
قال صلى الله عليه وسلم : لا يزال الدِّين ظاهرا ما عجل الناس الفطر ، إن اليهود والنصارى يؤخرون . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان .
وفي رواية : لا يزال الناس بخير ما عَجَّلُوا الفطر . عَجِّلُوا الفطر ، فإن اليهود يؤخرون .

والتميّز مطلوب وإن اختلف القصد
ففي السحور قوله عليه الصلاة والسلام : فصل ما بين صيامِنا وصيامِ أهل الكتاب أكلة السحر . رواه مسلم .

3= استحباب تعجيل الإفطار ولو على ماء .
قال أنس : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى صلاة المغرب حتى يُفطر ، ولو على شربة من ماء . رواه ابن حبان وغيره .
وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر على رطبات قبل أن يُصلي ، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزال أمتي على سنتى ما لم تنتظر بِفطرها النجوم . رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .

4= التّمسّك بالسنة سبب لحصول الخير .

5= مِن فقه الرجل المبادرة إلى الإفطار ولو بشيء يسير قبل صلاة المغرب ، وعدم تأخير الإفطار احتياطاً .
روى مسلم عن أبي عطية قال : دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا : يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ، والآخر يؤخّر الإفطار ويؤخر الصلاة . قالت : أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ؟ قال : قلنا : عبد الله يعني بن مسعود . قالت : كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي الصحيحين عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال لرجل : انزل فاجدح لنا . قال : يا رسول الله الشمس ! قال : انزل فاجدح لنا . قال : يا رسول الله الشمس ! قال : انزل فاجدح لنا ، فنـزل فجدح له ، فشرب ، ثم رمى بيده ها هنا ثم قال : إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى على نشز ، فإذا قال : قد غابت الشمس . أفطر . رواه الحاكم .

وهذا خلاف حال المتنطّعين الذين يطلبون الاحتياط خلافا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:27 am

شرح الحديث الـ 200

في وقت إفطار الصائم



عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا . وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا : فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ .

فيه مسائل :

1= " أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا " يعني : مِن جهة المشرق .

2= " وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا " يعني : مِن جهة المغرب .

3= " أفطر الصائم " : هل هو حقيقة أو حُكْمًا ؟
هو حُكمًا ، أي : جاز له الإفطار ، وإطاره بِمباشرة الْمُفطِّرَات .

4= لو حُمِل على الحقيقة لم يكن للحثّ على تعجيل الإفطار معنى !
قال الصنعاني : الْمُرَادَ بِأَفْطَرَ دَخَلَ فِي وَقْتِ الإِفْطَارِ ، لا أَنَّهُ صَارَ مُفْطِرًا حَقِيقَةً ، كَمَا قِيلَ ؛ لأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُفْطِرًا حَقِيقَةً لَمَا وَرَدَ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ ، وَلا النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ ، وَلا اسْتَقَامَ الإِذْنُ بِالْوِصَالِ إلَى السَّحَرِ . اهـ .

ولو حُمِل على الحقيقة ، لم يكن للوصال معنى .
قال ابن القيم : ليس المراد به أنه أفطر حُكْمًا ، وإن لم يُباشِر الْمُفَطِّرَات ، بِدَليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السَّحَر ، ولو أفطروا حُكْمًا لاستحال منهم الوصال . اهـ .
وحَمَله الخطابي على الإفطار حقيقة ، واستدلّ به على بُطلان الوصال !

ولو حُمِل على الحقيقة لكان " مَن اغتاب في صومه أو شَهِد بِزُور مُفْطِر حُكْمًا ، ولا فَرْق بينهما " كما قال القرطبي .

5= قال النووي : معناه : انقضى صومه وتَمّ ، ولا يُوصَف الآن بأنه صائم ، فإن بغروب الشمس خرج النهار ودخل الليل ، والليل ليس مَحَلاًّ للصوم . وقوله صلى الله عليه و سلم : " أقبل الليل ، وأدبر النهار ، وغَرَبت الشمس " قال العلماء : كل واحد مِن هذه الثلاثة يتضمن الآخَرين ويُلازمهما ، وإنما جَمَع بينها لأنه قد يكون في وادٍ ونحوه بحيث لا يُشَاهِد غُروب الشمس ، فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء. اهـ .

6 = انعقد الإجماع على أن وقت الإفطار هو وقت صلاة المغرب ، ووقت صلاة المغرب مِن مغيب الشمس . وفي حديث بريدة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة ، فقال له : صلِّ معنا هذين - يعني اليومين - فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذّن ثم أمره فأقام الظهر ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاءُ نقية ، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس .. الحديث . رواه مسلم .
قال ابن عبد البر : أجمع العلماء على أنه إذا حَلَّتْ صلاة المغرب فقد حَلّ الفطر للصائم فرضا وتطوعا ، وأجمعوا أن صلاة المغرب مِن صلاة الليل ، والله - عز وجل - يقول : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) . اهـ .
وقال الباجي : تَمَامُ الصَّوْمِ وَوَقْتِ الْفِطْرِ : هُوَ إِذَا انْقَضَى غُرُوبُ الشَّمْسِ وَكَمُلَ ذَهَابُ النَّهَارِ . اهـ .

7 = العبرة بِغروب قرص الشمس ، ولا عِبرة ببقاء الحمرة والصفرة .
وسبق ما يتعلق تعجيله صلى الله عليه وسلم للإفطار ، في شرح حديث سهل بن سعد رضي الله عنه ، وهو الحديث السابق .
سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ : هَلْ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يُفْطِرَ بِمُجَرَّدِ غُرُوبِهَا ؟
فَأَجَابَ : إذَا غَابَ جَمِيعُ الْقُرْصِ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ، وَلا عِبْرَةَ بِالْحُمْرَةِ الشَّدِيدَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الأُفُقِ .
وَإِذَا غَابَ جَمِيعُ الْقُرْصِ ظَهَرَ السَّوَادُ مِنْ الْمَشْرِقِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ . اهـ .

8 = اسْتُدِلّ بهذا الحديث على إثبات الوصال ، واخْتُلِف في حُكم الوصال وبقائه . وسيأتي في حديث ابن عمر بعد هذا الحديث حُكم الوصال .

وبالله التوفيق .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:29 am



شرح الحديث الـ 201

في النهي عَن الْوِصَال


عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْوِصَالِ . قَالُوا : إنَّكَ تُوَاصِلُ . قَالَ : إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ , إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى .
وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ .
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه : فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ .

فيه مسائل :

1= معنى الوصال :
قال القاضي عياض : هو متابعة الصوم دون الإفطار بالليل .
وقال ابن الأثير : هو أن لا يُفْطِرَ يَوْمَيْن أو أيَّاما .

2= الحكمة من النهي عن الوصال :
أ – رحمة بهم ، وإبقاء عليهم ، وفي التنزيل : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : نَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رَحمة لهم . رواه البخاري ومسلم .
ب – النهي عن التعمّق والتكلّف .
قال الإمام البخاري : باب الوصال . ومَن قال ليس في الليل صيام لقوله تعالى : (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه رحمة لهم وإبقاء عليهم ، وما يُكْرَه مِن الـتَّعَمُّق .
وفي حديث أنس رضي الله عنه : قال : وَاصَل النبي صلى الله عليه وسلم آخر الشهر ، وواصَل أناس مِن الناس ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ . رواه البخاري ومسلم .
جـ - لِمَا فيه مِن ضعف القوة ، وإنهاك الأبدان . قاله القرطبي .
د – دَفْع الْملل ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! عَلَيْكُمْ مِنْ الَْعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ . رواه البخاري ومسلم .
ولَمَا نَهى عن الوصال صلى الله عليه وسلم قال : فَاكْلَفُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ . رواه البخاري ومسلم مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
هـ - يُنهَى عن الوصال مِن أجل مُخالفة أهل الكتاب . ولذلك كانت أكلة السَّحَر مِما يُخالَف به أهل الكتاب .
و – لِمَا في الوصال مِن تضييع الحقوق والتقصير فيها ، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يصوم النهار ويقوم الليل ، فلمّا زاره سلمان رضي الله عنه قال له سلمان : إن لربك عليك حقّا ، ولنفسك عليك حقّا ، ولأهلك عليك حقّا ، فأعطِ كل ذي حق حقّه ، فأتى أبو الدرداء النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان . رواه البخاري . وسيأتي في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .

3 = قول الصحابة رضي الله عنهم : " إنك تُواصِل " ليس فيه اعتراض ، وإنما هو سؤال واستفسار عن شأنه صلى الله عليه وسلم ، أنه يُواصِل وَيَنْهَى عن الوصال . لأنه صلى الله عليه وسلم كان قدوة لأصحابه ، وكان إذا أمرهم بأمر فَعَله ، وكان إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمْرَه .
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال ، ووصَال أناس منهم ، فإنه ليس معصية ولا على سبيل المنازعة له صلى الله عليه وسلم ، بل فهموا أن النهي ليس على سبيل المنع ، وإنما كان إبقاء عليهم .

قال القرطبي : واحتج مَن أجاز الوصال بأن قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات ، فيفتروا أو يَضعفوا عَمَّا كان أنفع منه مِن الجهاد والقوة على العدو ، ومع حاجتهم في ذلك الوقت .
وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات ، فلما سألوه عن وصالهم أبْدَى لهم فارِقًا بينه وبينهم ، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم ، فقال : " لَسْتُ مثلكم إني أبيت يُطعمني ربي ويَسقيني " .
فلما كَمُل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورَسَخ ، وكَثُر المسلمون وظهروا على عدوهم ، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات . اهـ .

وقال ابن كثير : يحتمل أنهم كانوا يَفهمون مِن النهي أنه إرْشَاد ، أي : مِن باب الشفقة ، كما جاء في حديث عائشة : "رحمة لهم" . اهـ .

4 = حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير ، وإن كان فيه مشقّة .

5 = الخلاف في الوصال :
اخْتُلِف في حُكم الوصال على ثلاثة أقوال :
القول الأول : جائز مع الكراهة ، وحكمه باقٍ .
والقول الثاني : منهي عنه ، وهو منسوخ . وحُجة أصحاب هذا القول أن الليل ليس محلاًّ للصوم .
والجواب عنه ما قاله أبو الوليد الباجي : إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوِصَالُ وَيَصِحُّ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَامُ زَمَنَ اللَّيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلنَّهَارِ ، فَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ بِالصَّوْمِ فَلا يَجُوزُ . اهـ .
والقول الثالث : أنه خاص بِرسول الله صلى الله عليه وسلم .

6 = الراجح في حُكم الوصال :
قال القرطبي : وعلى كراهية الوصال - ولِمَا فيه مِن ضعف القوى وإنهاك الابدان - جمهور العلماء .
وقد حَرَّمَه بعضهم لِمَا فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب . اهـ .
وسبب الكراهية : ترك الإفطار ، وقد جاء الحثّ على تعجيل الإفطار ، وترك أكلة السحور التي جاء الحثّ عليها أيضا ، وما فيها من البركة .
فإن أدّى الوصال إلى ضرر فإنه مُحرّم .
وكان ابن الزبير رضي الله عنهما يُواصِل سبعة أيام .
وكان أبو الجوزاء يُواصِل سبعا . ولو قَبَض على ذراع الرجل الشديد لَحَطمها !

7 = الوصال الجائز ، هو ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام : " فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ " .
قال القرطبي : قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السَّحَر ، وهو الغاية في الوصال لمن أراده ، ومنع من اتصال يوم بيوم ، وبه قال أحمد وإسحاق . اهـ .

8 = يُؤجر الصائم على الوصال المشروع ، وإن كان الليل ليس محلاًّ للصوم ؛ لأن صيام الليل تَبَع لِصيام النهار .

9 = في حديث سهل بن سعد الحثّ على تعجيل الأفطار ، والوصال يُفوِّت ذلك . فكيف الجمع بينهما ؟
الجمع بينهما ، أن يُقال :
أ – حديث سهل هو الأصل ، وهو في حقّ أكثر الناس .
وحديث أبي سعيد في حالات مُستثناة ، وهو خلاف الأصل .
ب – حديث أبي سعيد لا يُعارِض ما في حديث سهل ؛ لأن من أراد الوصال لا يُخاطَب بتعجيل الإفطار .
جـ - تأخير الأفطار في حال الوصال لا يُراد منه الاحتياط والتنطّع ، وليس فيه شُبهة موافقة أهل الكتاب .
د – الوصال المشروع تأخير الإفطار إلى السحر ، بحيث يكون الإفطار والسحور في وقت واحد .

10 = جواز التعزير على مُخالفة أمر الإمام ورئيس القوم إذا كان الأمر لمصلحتهم .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم نَكّل بأصحابه – فواصل بهم – كالْمُنكِّل بهم .
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، واصَل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر لَزِدْتكم ، كالْمُنَكِّل بهم حين أبَوا . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث أنس رضي الله عنه : قال : وَاصَل النبي صلى الله عليه وسلم آخر الشهر ، وواصَل أناس مِن الناس ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالاً يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ . رواه البخاري ومسلم .

11 = " إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ " حُمِل على قوّة تحمّله عليه الصلاة والسلام . وما اختُصّ به عليه الصلاة والسلام .

12 = " إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى " ليس على حقيقته .
قال ابن كثير : الأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حِسيًّا ، وإلا فلا يكون مُواصِلاً مع الحسي . اهـ .
وقال ابن حجر : وقال الجمهور : قوله : " يطعمني ويسقيني " مجاز عن لازِم الطعام والشراب ، وهو القوة ، فكأنه قال : يعطيني قوة الآكِل والشارِب ، ويُفيض عليّ ما يَسِدّ مَسَدّ الطعام والشراب ، ويَقْوَى على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كِلال في الإحساس . أو المعنى : إن الله يخلق فيه مِن الشبَع والرّيّ ما يغنيه عن الطعام والشراب ، فلا يحس بجوع ولا عطش . اهـ .
وحُمِل على اكتفائه صلى الله عليه وسلم بالذِّكر في حال الوصال .
قال ابن القيم عن الذِّكْر : قُوت القلب والروح ، فإذا فقده العبد صار بِمَنْزِلة الجسم إذا ِحيل بينه وبين قُوتِه ، وحَضَرْت شيخ الإسلام ابن تيمية مَرَّة صَلَّى الفجر ، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب مِن انتصاف النهار ، ثم التفتَ إليّ ، وقال : هذه غَدْوَتي ، ولو لم أتَغَدّ الغداء سقطت قوتي ، أو كلاما قريبا من هذا . اهـ .

13 = الأحاديث التي أشار إليها المصنف رحمه الله ، مُخرّجة في الصحيحين .

14 = قول المصنف : " وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " هذه الرواية ليست عند مسلم ، وقد رواها البخاري بلفظ : لا تُواصِلوا ، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر .

وبالله التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:34 am

شرح الحديث الـ 202

في الاقتصاد في الطاعة



عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَقُولُ : وَاَللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ , وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ . فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أنت الذي تقول ذلك ؟ فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ قُلْتُهُ , بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . فَقَالَ : فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ . فَصُمْ وَأَفْطِرْ , وَقُمْ وَنَمْ . وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ . قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ . قُلْتُ : أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْما . فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد عليه الصلاة والسلام . وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ . فَقُلْتُ : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ .
وَفِي رِوَايَةٍ : لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُد – شَطْرَ الدَّهْرِ – صُمْ يَوْما وَأَفْطِرْ يَوْما .
وعَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد . وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُد . كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ , وَيَقُومُ ثُلُثَهُ . وَيَنَامُ سُدُسَهُ . وَكَانَ يَصُومُ يَوْما وَيُفْطِرُ يَوْما .

فيه مسائل :

1 = " : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ " : فيه مسائل :
أ – جواز الإخبار باسم الشخص عند الاستفتاء .
ب – جواز شكاية مَن خالف السنة ، ورفع أمره إلى من بيده إصلاحه ، وليس هذا من النميمة ، ونقل الكلام المذموم .
جـ - في هذه الرواية " أُخْبِرَ " ، وفي روايات أن الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك هو عمرو بن العاص والد عبد الله .
د – سبب شكاية عمرو لابنه : أنه زوّجه امرأة مِن قريش ، فلم يكن يلتفت إليها لقوّته على العبادة !
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : أنكحني أبي امرأة ذات حسب ، فكان يتعاهد كَنَّتَهُ فيسألها عن بعلها ، فتقول : نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ، ولم يَفْتش لنا كَنَفاً مذ أتيناه ! فلما طال ذلك عليه ذَكَر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : القني به . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية قال رضي الله عنه : زوّجني أبي امرأة من قريش ، فلما دخلت على جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة ، فجاء عمرو بن العاص إلى كَـنَّـتَه حتى دخل عليها ، فقال لها : كيف وَجَدْتِ بَعْلك ؟ قالت : خير الرجال - أوْ كَخَير البعولة - مِنْ رجل لم يَفْتِش لنا كَنَفًا ، ولم يَعْرف لنا فِرَاشا ، فأقبل عليّ فَعذلني وعضّني بِلِسَانِه ، فقال : أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فَعَضَلْتَها وفَعَلْتَ وفَعَلْتَ ، ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني ، فأرسل إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته ... الحديث . رواه الإمام أحمد .
ومعنى ( عضّني ) أي شدّد علي القول .

2 = لا تعارُض بين هذه الروايات وبين رواية " بَلَغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أسرد الصوم وأصلي الليل ، فإما أرسل إليّ ، وإما لقيته ... " ؛ لأن بلوغ الخبر في سرد الصوم وصلاة الليل هو سبب شكايته !
ويُحتَمل أن يكون أن النبي صلى الله عليه وسلم أُخْبِر ، ثم جاء والده يشكوه .

3 = كراهية سرد الصوم لِمَا فيه مِن الملال ، ولِمَا يترتّب عليه من تفويت بعض الحقوق .
وهذا ما حدث لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بعدما كبُر .
قال عبد الله : فليتني قَبِلْتُ رُخْصَة رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري ومسلم .
وسبب قوله هذه أنه كَرِه أن يُغيِّر من أمْر الْتَزَمه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكراهية ترك ما لَزِمَه وداوم .
وليس معنى ذلك أنه أوْجَبه على نفسه .

4 = " وَاَللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ , وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ " هذا يمين ، وهو في معنى النذر ، ولم يُنْه عنه ؛ لأن المراد منه التبرُّر .
ولم يُذكر أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة ؛ فإما أن يكون ما خرج عن حدّ يمينه ؛ لأنه سيصوم صيام داود ، وهو في معنى صيام الدهر وأكثر ؛ لأن من صام ثلاثة أيام من كل شهر ، فكأنما صام الدهر .
وكذلك بالنسبة للقيام .
وإما أن يكون أُمِر بالكفارة ، ولم يُنقل لخصوص الأمر بِصاحبه .

5 = قوله عليه الصلاة والسلام : " أنت الذي قلتَ ذلك ؟ " فيه : التثبّت والسؤال عما يُنقَل قبل العِتاب .

6 = قوله عليه الصلاة والسلام : " "فإنك لا تستطيع ذلك " : محمول على الدوام وما يُفضي إليه إذا كبُر .
أو أنه محمول على أنه لا يستطيع ذلك مع أداء الحقوق الواجبة عليه .
ولذلك قال له عليه الصلاة والسلام : فإن لزوجك عليك حقا ، ولِزَوْرِك عليك حقا ، ولجسدك عليك حقا .

7 = " فَصُمْ وَأَفْطِرْ , وَقُمْ وَنَمْ " موازنة الإسلام بين حاجات الجسد وحاجات الروح ، والاعتدال في أداء الحقوق .

8 = فيه الأدب في مراجعة الْمربِّي والعالِم والكبير ، " فإني أُطِيق أكثر من ذلك " .

9 = " لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي دَاوُد " : فيه الاقتداء بالأبياء والصالحين ، كما قال تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) .

10 = بيان أفضل الصيام لِمن أطاقه ، وهو صوم نبي الله داود عليه الصلاة والسلام .
ولا تعارض بين هذا التفضيل مع تفضيل صيام شهر االله الْمُحرَّم .
قال المناوي : وتفضيل صوم داود باعتبار الطريقة وهذا [صيام شهر محرّم ] باعتبار الزمن . اهـ .

11 = " وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ " سيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الوصية بِصيام ثلاثة أيام من كل شهر .

12 = الحديث في الأصل أطول من هذا ، وفيه : الأمر بقيام بعض الليل لا كلّه ، وفيه الأمر بقراءة القرآن كل سبعة أو كل ثلاثة أيام .
قال البخاري رحمه الله عن مسألة القراءة والْخَتْمة : وقال بعضهم في ثلاث ، وفي خمس ، وأكثرهم على سَبْع .

13 = مَن فُتِح عليه في عبادة أو في عِلْم أو في عمل خير ، فلا يُنكَر عليه ما لم يُخالِف السنة ، ولا يُصْرَف إلى غيره .
وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مثال على ذلك ، فقد فُتِح له في العبادة أكثر من غيرها ، مما جعله ينصرف عن العِلْم إلى العبادة أكثر .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مِنِّي إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يَكتب ولا أَكْتُب . رواه البخاري .

وكَتَبَ عبد الله بن عبد العزيز العُمَريّ العابد إلى الإمام مالك يحضُّه إلى الانفراد والعمل ، ويَرْغَب به عن الاجتماع إليه في العِلْم ، فكتب إليه مالك : إن الله عز وجل قَسَم الأعمال كما قَسَم الأرزاق ، فَرُبّ رَجُلٍ فُتِح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم ، وآخر فُتِح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام ، وآخر فُتِح له في الجهاد ولم يُفتح له في الصلاة ، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر ، وقد رضيت بما فُتِحَ الله لي فيه من ذلك ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير ، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسِمَ له ، والسلام .

14 = فيه تفقّد الإمام رعيته , وتفقّد الرجل أصحابه .

15 = تفقّد الرجل لِحال ابنه ، والسؤال عن أحواله على سبيل الإصلاح ، لا على سبيل الفضول والإفساد ! وهو التدخّل في خصوصيات حياتهم .
ولهذا السؤال والتفقّد أصل في عَمَل الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، وخبره في صحيح البخاري .

16 = ترتيب الأولويات :
قال ابن حجر : الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات ، وأن مَن تَكَلَّف الزيادة على ما طُبِع عليه يَقَع له الخلل في الغالب .

17 = الأمر بالاقتصاد في العبادة ، وكراهية التشديد على النفس .
قال عليه الصلاة والسلام : والقصد القصد تبلغوا . رواه البخاري .

18 = الإشارة إلى المداومة على العمل ، وإن قَـلّ . وهذا كان هديه عليه الصلاة والسلام ، كما قالت عائشة رضي الله عنها ، وقد تقدّم هذا .
وأن قليل دائم خير من كثير مُنقطِع .

18 = العِبْرَة بِحُسن العمل وموافقته للسنة ، وليست العِبرة بِكثرة العمل .
قال تعالى : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال الفضيل بن عياض : هو أخلص العمل وأصوبه ، قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقْبَل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقْبَل ، حتى يكون خالصا وصوابا ، فالخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة .

19= " إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد " فيه فوائد :
أ – إثبات صِفة الحبّ لله عزّ وجلّ .
ب – عِظَم أجْر مَن صام يوما وأفطر يوما ، وأن ذلك ليس من التشدّد .
جـ - فضْل هذه العبادات ، فيما يتعلّق بالطاعات اللازمة ، فيما بينها مِن تفاضُل .
د – تفاضل الأعمال .

20 = " صُم يوما وأفطر يوما " إذا وافَق يوم عيد فإنه يَحرُم صيامه ، ولا يحرم صيام يوم السبت ولا يوم الجمعة مُفْرَدًا ، وسيأتي مزيد بيان – إن شاء الله – في الأحاديث التالية عن الأيام التي نُهي عن صيامها .

وبالله تعالى التوفيق .



عدل سابقا من قبل ثروت في الأربعاء أبريل 16, 2014 9:42 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:36 am

شرح الحديث الـ 203

في صيام ثلاثة أيام من كل شهر



عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلاثٍ : صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ , وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى , وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ .

فيه مسائل :

1 = تعريف الْخُلَّة :
قال ابن الأثير : الْخلَّة بالضَّم : الصَّدَاقة والمَحَبَّة التي تَخَلَّلَت القَلْب فصارت خِلاَلَه ، أي : في باطنه .

2 = لا تعارُض بين قول أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " خليلي " ، وبيْن نَفْي النبي صلى الله عليه وسلم الْخُلّة عن أحد ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : لو كنت مُتَّخِذًا مِن أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قُحافة خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله . رواه البخاري ومسلم .
فإن أبا هريرة لم يُخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم اتَّخَه خليلا ، ولكنه هو يُخبر عن نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم خليله ، أي : أن الْخُلّة مِن جِهة أبي هريرة رضي الله عنه .

3 = هذا مِن أفضل الصيام ؛ لأن الحسنة بِعشرة أمثالها ، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : إن بِحَسْبِك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإن ذلك صيام الدهر كله . رواه البخاري ومسلم .
وسبق أنه لا تعارُض بين تفضيل صيام داود عليه الصلاة والسلام وبين صيام شهر مُحَرَّم .
فصيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الشهر .

4 = اخْتُلِف في تعيين هذه الأيام على أقوال :
أ – فسّره جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بأيام البيض ( 13 ، 14 ، 15 ) .
ب – مِن أوّل الشهر .
جـ - مِن أيام الاثنين والخميس . واستدلّوا بقوله عليه الصلاة والسلام : تُعْرَض الأعمال يوم الاثنين والخميس ، فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم . رواه الترمذي .

ومَن فسّره بأيام البِيض ، استدلّ بـ :
حديث عائشة رضي الله عنها وقد سُئلت : أكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ؟ قالت : نعم . قيل : من أيِّه كان يصوم ؟ قالت : كان لا يُبالي مِن أيِّه صام . رواه أبو داود والترمذي والنسائي .
وبِحَدِيث أبي ذر رضي الله عنه : أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض : ثلاث عشر وأربع عشرة وخمس عشرة . رواه ابن حبان وغيره .
وبِحَدِيث جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر صيام الدهر ، أيام البيض : صبيحة ثلاثة عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . رواه النسائي .
وبقوله عليه الصلاة والسلام : إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام ، فَصُم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي .
قال الإمام البخاري رحمه الله : باب صيام أيام البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة .
ثم روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث ...

فالذي يظهر أن البخاري يُرجِّح صيام أيام البيض ، لِمن كان يصوم ثالثة أيام من كل شهر .
ويظهر أنه يُقيِّد حديث أبي هريرة هذا بِأيام البيض .

وهذا أقوى الأقوال ؛ لأنه فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله .

5 = اْخْتُلِف في سُنّيَة صلاة الضحى .
والصحيح أن صلاة الضحى سُنة ، فقد صلاّها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفَتْح ، كما في حديث أم هانئ رضي الله عنها ، وهو مُخرّج في الصحيحين .
وصلاّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت رجل مِن الأنصار ، كما في حديث أنس ، وهو مُخَرَّج في الصحيحين .
وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الضّحى .
ومَن صَلى صلاة الضحى كانت له عِدْل ثلاثمائة وستّين حَسَنة .
ففي حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ؛ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى . رواه مسلم .
وأما ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن ركعتي الضحى : بِدعة . كما في صحيح البخاري .
وما رواه البخاري من طريق مورّق قال : قلت لابن عمر رضي الله عنهما : أتُصَلّي الضحى ؟ قال : لا . قلت : فَعُمَر ؟ قال : لا . قلت : فأبو بكر ؟ قال : لا . قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا إخاله .
فهذا محمول منهما رضي الله عنهما على عدم العلْم بهذه السُّنَّة ، فإن ابن عمر رضي الله عنهما قال في الأخير : " لا إخاله " يعني : لا أظنه !
وكون المسألة تَخْفى على بعض الصحابة ، بل وعلى بعض كبارهم ؛ غير مُستبْعَد ، وهو أمْر وارِد .
فقد خَفْي على أبي بكر مسائل ، وخَفْي على عمر مسائل .
ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول في بعض المسائل : كتاب الله أحق أن يُتَّبَع أم عمر ؟!
هذا مِن جهة .
ومِن جهة ثانية فالقاعِدة أن الْمُثْبِت مُقدَّم على النَّافِي .
فأبو هريرة وأبو ذر وأنس وأم هانئ - وغيرهم - أثْبَتوا سُنيّة صلاة الضحى ، فَقَولُهم مُقَدَّم على قَول مَن نَفَاها ؛ لأنَّ مَن أثْبَتَها عنده زِيادة عِلْم .
مع أن من أثْبَت سُنيّة صلاة الضحى أكثر ممن نفاها .
ومِن جهة ثالثة فإن قول الصحابي إنما يكون حُجّة في غير موضع النص .

6 = اختلاف وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : مبني على عِلْمه صلى الله عليه وسلم بأحوال أصحابه ، وما يُناسب كل واحد منهم ، فالقوي يُناسبه الجهاد ، والعابد تُناسبه العبادة ، والعالِم يُناسبه العِلْم ، وهكذا .
وفي هذا إشارة إلى الْمُربِّين والقائمين على التربية والتعليم والتوجيه : أن يُوجِّهوا كل مُتعلِّم لِمَا يُناسبه .

7 = اْخْتُلِف في حُكم الوتر بين الوجوب وبين السنية المؤكَّدَة .
والصحيح أنه سُنة مُؤكَّدَة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حافظ عليها ، وأمَر به من غير إيجاب .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:46 am

شرح الحديث الـ 204

في النهي عن صوم يوم الجمعة

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَزَادَ مُسْلِمٌ : وَرَبِّ الْكَعْبَةِ .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , إلاَّ أَنْ يَصُومَ يَوْما قَبْلَهُ , أَوْ يَوْما بَعْدَهُ .

فيه مسائل :

1 = سبب النهي : أن يوم الجمعة يوم عيد .
قال عليه الصلاة والسلام : إن هذا يومُ عيدٍ ، جعله الله للمسلمين ، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل ، وإن كان طِيبٌ فليَمَسَّ منه ، وعليكم بالسواك . رواه ابن ماجه ، وهو حديثٍ حسن .

2 = ولَمّا كان يوم الجمعة هو سيد الأيام وهو أفضلها جاء النهي عن إفراده ، لئلا يُتوهّم أن هذه الخصوصية لها خاصية .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تختصوا ليلة الجمعة بِقِيام مِن بَيْن الليالي ، ولا تَخُصُّوا يوم الجمعة بِصيام مِن بين الأيام إلاَّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم . رواه مسلم .

3 = حُكم إفراد يوم الجمعة بالصيام :
مذهب الشافعي وأحمد : القول بالكراهة .
ومذهب أبي حنيفة ومالك : القول بِعدم الكراهة .

4 = تزول الكراهة إذا ضُمّ إليه يوم آخر .
ففي رواية للبخاري : زاد غير أبي عاصم : يعني : أن ينفرد بِصوم .
وفي حديث جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال : أصُمْتِ أمس ؟ قالت : لا . قال : تريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا . قال : فأفطري . رواه البخاري .

قال ابن قدامة : وهذا الحديث يدل على أن المكروه إفراده ؛ لأن نَهْيه مُعَلَّل بِكُونها لم تَصُم أمْس ولا غَدًا . اهـ .

5 = ولا يدخل في النهي إذا وافق يوم صيام من غير قصد تخصيص يوم الجمعة .
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : ولا تَخُصُّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلاَّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم . رواه مسلم .
فإذا كان أحد يصوم يوما ويُفطِر يوما ، فوافق يوم الجمعة ، فلا كراهة ، ولا يُنهى عنه .
ومثله : لو وافق يوم عرفة يوم جُمعة .

قال ابن قدامة : ويُكْرَه إفراد يوم الجمعة بالصوم ، إلاَّ أن يُوافِق ذلك صومًا كان يصومه ، مثل من يصوم يوما ويُفْطِر يومًا فيوافق صومه يوم الجمعة ...
نص عليه أحمد ، في رواية الأثرم .
قال : قيل لأبي عبد الله : صيام يوم الجمعة ؟ فذكر حديث النهي أن يُفْرَد ، ثم قال : إلاَّ أن يكون في صيام كان يصومه ، وأما أن يُفْرَد فلا .
قال : قلت : رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما ، فوقع فِطره يوم الخميس ، وصومه يوم الجمعة ، وفِطْره يوم السبت ، فصام الجمعة مُفْرَدًا ؟ فقال : هذا الآن لم يتعمّد صومه خاصة ، إنما كُرِه أن يتعمّد الجمعة . اهـ .

6 = الرواية التي أشار إليها المصنف : رواها مسلم من طريق محمد بن عباد بن جعفر قال : سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ فقال : نعم ، ورب هذا البيت .
قال ابن حجر : وفي رواية النسائي : "ورب الكعبة " ، وعزاها صاحب "العمدة" لِمُسْلِم فَوَهِم .

7 = جواز الحلف من غير استحلاف ، إذا كان بقصد التأكيد من غير إكثار !
والقصد منه التأكيد .
ولا يُعتبر ذلك مِن خِصال المنافقين ؛ لأن المنافقين اتّخذوا أيمانهم جُنة ووقاية وحماية !

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:52 am

شرح الحديث الـ 205

في النهي عن صيام أيام العيدين

عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ : هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا : يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ , وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ .

فيه مسائل :

1 = هذه الرواية التي أوردها المصنف رحمه الله هي رواية البخاري ، ورواية مسلم بلفظ : قال : شَهِدْت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فجاء فَصَلَّى ، ثم انصرف فخطب الناس ، فقال : إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ؛ يوم فطركم من صيامكم ، والآخر يوم تأكلون فيه مِن نُسُكِكم .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين : يوم الأضحى ويوم الفطر . رواه مسلم .
وجاء النهي أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها ، ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وسيأتي .

2 = الذي يظهر أن خُطبة عمر رضي الله عنه كانت في يوم عيد فِطْر ؛ لقوله رضي الله عنه : وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ . فلو كان يوم عيد أضحى لَمَا قال اليوم الآخر .

3 = النهي هنا يقتضي التحريم .
قال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهي عنه ، مُحَرَّم في التطوع ، والنذر المطلق ، والقضاء والكفارة .

4 = لو نَذَر نذرًا مُطْلَقا ، أو كان له صوم فوافق يوم العيد ، فلا يجوز له الصيام .
قال زياد بن جبير : جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما ، فقال : إني نذرت أن أصوم يوما فوافق يوم أضحى أو فِطْر ، فقال ابن عمر رضي الله عنهما : أمَرَ الله تعالى بوفاء النذر ، ونَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية للبخاري : قال : كنت مع ابن عمر ، فسأله رجل فقال : نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عِشْت ، فَوَافَقْتُ هذا اليوم يوم النحر ، فقال : أمَر الله بِوفاء النذر ، ونُهِينا أن نَصوم يوم النحر ، فأعاد عليه فقال : مِثْله ، لا يزيد عليه .
قال النووي : وقد اختلف العلماء فيمن نذر صوم العيد مُعَيَّنًا ، وأما هذا الذي نذر صوم يوم الاثنين مثلا فوافق يوم العيد ، فلا يجوز له صوم العيد بالإجماع . وهل يلزمه قضاؤه ؟ فيه خلاف للعلماء .

5 = " فيه تعليم الإمام في خطبته ما يتعلق بذلك العيد مِن أحكام الشرع ، مِن مأمور به ومَنهيّ عنه " قاله النووي .

6 = كراهية صيام أيام التشريق ؛ لأنها تابعة ليوم عيد الأضحى . قال عليه الصلاة والسلام : أيام التشريق أيام أكل وشرب . رواه مسلم .
وقيل : بِتحريم صيام أيام التشريق .

7 = الاحتياط في ترك الاحتياط ، فلا يجوز صيام يوم عيد الفِطر بدعوى الاحتياط للصيام .

8 = العبادات توقيفية ، فلا يصحّ التقرّب إلى الله إلاّ بِما وَرَد في الشرع ، ومِن المعلوم أن مدار قبول العمل على شرطين : الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم .
وليس كل عَمَل مشروع تُشرَع آحاده .
روى عبد الرزاق عن ابن المسيب أنه رأى رجلا يُكَرِّر الركوع بعد طلوع الفجر ، فنهاه ، فقال : يا أبا محمد ! أيعذبني الله على الصلاة ؟ قال : لا ، ولكن يعذبك على خِلاف السنة !

9 = السنة أن يأكل المسلم تمرات قبل خروجه إلى الْمُصلَّى يوم الفِطْر ، وأن يأكل من أضحيته يوم الأضحى – إن كان ممن يُضحّي – .

وقد تقدّمت مسائل العيدين .

وبالله تعالى التوفيق .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:54 am

شرح الحديث الـ 206

في تأكيد النهي عن صيام العيدين



عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ : الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ . وَعَنْ الصَّمَّاءِ , وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثوْبِ وَاحِدِ , وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ .

فيه مسائل :

1 = التأكيد على النهي عن صيام أيام العيدين ، وقد تقدّم القول فيه ، وأن صيامهما مُحرّم بالإجماع .

2 = قول المصنف رحمه الله : " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الصَّوْمَ فَقَطْ " ليس بِدقيق ، فقد أخرجه البخاري بِتمامه في " باب صوم يوم الفِطْر " .
وأخرجه مسلم مُختَصَرًا بلفظ : لا يَصلح الصيام في يومين : يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان .

وبقية مسائل الحديث لا علاقة لها بالصيام .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 9:57 am

شرح الحديث الـ 207
في فضل مَن صام يومًا في سبيل الله



عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا .

فيه مسائل :

1 = " في سبيل الله " : المراد به عند الأكثر : أنه الجهاد في سبيل الله ، والرِّبَاط تَبَع له .
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر أفضل إلاّ أن يخشى الصائم ضعفًا عند اللقاء ؛ لأنه قد ثبت عن الرسول أنه قال لأصحابه في بعض المغازي حين قَرب مِن الملاقاة بأيام يسيرة : " تَقَوّوا لعدوكم" فأمرهم بالإفطار ؛ لأن نفس الصائم ضعيفة ، وقد جَبَل الله الأجسام على أنها لا قِوام لها إلاَّ بالغذاء . نقله ابن بطال .
وقال ابن الجوزي : إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد . نقله ابن حجر .
وقال ابن دقيق العيد : قَوْلُهُ " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " الْعُرْفُ الأَكْثَرُ فِيهِ : اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ : كَانَتْ الْفَضِيلَةُ لاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ - أَعْنِي عِبَادَةَ الصَّوْمِ وَالْجِهَادِ .
وقال النووي : فيه فضيلة الصيام في سبيل الله ، وهو محمول على مَن لا يتضرر به ، ولا يُفوِّت به حقا ، ولا يَخْتَلّ به قتاله ولا غيره مِن مُهمات غَزْوِه . اهـ .
واستدلّ ابن حجر بروايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه بِلفظ : "ما مِن مُرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله " على أنه في الجهاد في سبيل الله .

2 = قال النووي : معناه المباعدة عن النار والمعافاة منها . والخريف السنة ، والمراد سبعين سنة . اهـ .
ومُقتضى ذلك : الأمن مِن سَماع حسيسها ، والنجاة منها ومِن دُخولها .

3 = بَعّد :بمعنى " باعَد " ، و" باعَد " رواية مسلم .

4 = ورد في أحاديث أخرى خِلاف هذا .
ففي حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : مَن صَام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خَنْدَقًا كما بين السماء والأرض . رواه الترمذي ، وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط ، وإسناده حسن . وحسّنه الألباني .
ومعلوم أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام .
وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : مَن صَام يومًا في سبيل الله عزّ وَجَلّ بَاعَد الله منه جهنم مسيرة مائة عام . رواه النسائي ، وحسّنه الألباني .

والجواب عنه من وجوه :
الأول : أن لفظ السبعين يُراد به التكثير .
والثاني : بحسب الصيام ومشقته وشِدّته ، واختلاف الصيام بين الصيف والشتاء ، وبين البلاد الحارة والباردة .
والثالث : عِظَم الأجر بِإخفاء العَمَل .
الرابع : أن ذِكر السبعين لا يُنافي ذِكر المائة عام ، ولا خمسمائة عام ؛ لأن ذِكْر ما بين المساء والأرض (خمسمائة عام) هو أعظم ما يُباعَد ، والسبعين أقلّ ما يُباعَد .. وذِكْر السبعين والمائة لا يُنافي الخمسمائة ، بل هي داخلة فيه .

5 = التنصيص على الخريف دون غيره :
قال ابن حجر : تخصيص الخريف بالذِّكْر دون بقية الفصول - الصيف والشتاء والربيع - لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجني فيه الثمار . ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره . ورد بأن الربيع كذلك . اهـ .

6 = فيه فضل الصيام في سبيل الله ، ما لم يتعارض مع غيره من المصالح العامة ، مِن قِتال وإعْداد وغير ذلك ، فإن تعارض قُدِّمت المصلحة العامة .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم الفتح : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم . قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : فكانت رُخْصَة ، فَمِنَّا مَن صام ، ومِنَّا مَن أفطر ، ثم نَزَلْنَا مَنْزِلاً آخر ، فقال : إنكم مُصَبِّحُو عدوكم والفطر أقوى لكم ، فأفطروا ، وكانت عَزْمَة ، فأفطرنا . رواه مسلم .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 11:16 am

شرح عمدة الأحكام

بابُ ليلةِ القَدرِ

فيه مسائل :

1 = أعْقَب أبواب الصيام بِباب ليلة القدر ؛ لأنها أخصّ ، ولأنها ليلة ضمن ليالي شهر الصيام .

2 = سُمِّيَتْ بذلك لِعِظَم قَدْرِها ، وهي الليلة المباركة .

3 = مِن عِظَم قَدْرها أنها خير مِن ألف شهر .

4 = وأنه أُنْزِل فيها القرآن مِن بيت العِزّة إلى سماء الدنيا جُملة واحدة .
فقوله تعالى : (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) وقوله : (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) الْمُراد به : نُزول القرآن من اللوح المحفوظ جُملة واحدة .
قال ابن عباس : أُنْزِل القرآن مِن اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكَتَبَة في سَماء الدنيا ، ثم نَزَل به جبريل عليه السلام نجوما - يعني الآية والآيتين - في أوقات مختلفة .
قال القرطبي : ولا خلاف أن القرآن أُنْزِل مِن اللوح المحفوظ ليلة القدر جُمْلة واحدة ، فَوُضِع في بَيْت العِزّة في سماء الدنيا ، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم يَنْزِل به نَجْمًا نَجْمًا في الأوامر والنواهي والأسباب ، وذلك في عشرين سنة .
وقال ابن كثير : القرآن إنما نَزل جُمْْلًة وَاحِدة إلى بَيت العِزّة مِن السماء الدنيا ، وكان ذلك في شهر رمضان ، في ليلة القدر منه ، كما قال تعالى : (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) . وقال : (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) ، ثم نزل بَعْدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم . هكذا رُوي مِن غير وَجْه عن ابن عباس . اهـ .

5 = أنها أفضل ليالي العام .

6 = (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) : أي في ليلة القَدْر يُفصَل مِن اللوح المحفوظ .

قال ابن عباس في قوله تعالى : (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) : يُكتب مِن أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة مِن الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الْحُجَّاج ؛ يُقَال : يَحُجّ فُلان ويَحُجّ فلان .
قيل للحسين بن الفضل : أليس قد قَدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض ؟ قال : بلى ، قيل : فما معنى ليلة القدر ؟ قال : سَوْق المقَادِير إلى الموَاقِيت ، وتَنفيذ القَضاء الْمُقَدَّر .
قال ابن كثير : وقوله : (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) ، أي : في ليلة القدر يُفْصَل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبَة أمْر السَّنَة ، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق ، وما يكون فيها إلى آخرها . وهكذا روي عن ابن عمر ، وأبي مالك ، ومجاهد ، والضحاك ، وغير واحد من السلف . اهـ .

7 = ما يكون فيها البركة ، وكثرة الخير ، وكثرة نُزول الملائكة .

8 = ما يحصل فيها من المغفرة ، وفي الحديث : " مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " . رواه البخاري ومسلم .
وقال عليه الصلاة والسلام : إن هذا الشهر قد حَضَركم . وفيه ليلة خير من ألف شهر . مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخير كله . ولا يُحْرَم خيرها إلاَّ محروم . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني .

9 = مِن علامات ليلة القدر :
لا حارة ولا باردة :
قال عليه الصلاة والسلام : ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة ، تُصبِح الشمس يومها حمراء ضعيفة . رواه ابن خزيمة وصححه الألباني .
مُضيئة :
وقال عليه الصلاة والسلام : إني كنت أُريت ليلة القدر ثم نسيتها ، وهي في العشر الأواخر ، وهي طَلقة بَلْجة لا حارة ولا باردة ، كأن فيها قمرًا يَفضح كواكبها ، لا يخرج شيطانها حتى يخرج فَجْرَها . رواه ابن حبان .
كثرة الملائكة في الأرض :
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى . رواه ابن خزيمة ، وحَسّن إسناده الألباني .
وقال صلى الله عليه وسلم : وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها . رواه مسلم .
يعني تطلع في اليوم الذي يليها .
وتلك العلامة بشارة لمن قام تلك الليلة ؛ لأنها تكون بعد انقضاء ليلة القدر لا قبلها .

وليلة القَدْر تعويض لهذه الأمة مُقابِل قِصَر أعمار هذه الأمة .

وبالله تعالى التوفيق .






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 11:20 am


شرح الحديث الـ 208

في رؤيا ليلة القدر



عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما : أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ . فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ .

فيه مسائل :

1 = الاستئناس بالرؤى وعدم التعويل عليها ؛ لأنها مِن الْمُبَشِّرَات ، ولا يُجزَم معها بشيء ، ولا يُبنى عليها أحكام شرعية .

2 = إمكانية معرفة ليلة القدر عن طريق الرؤيا ، وعن طريق العلامات التي تُعرَف بها ليلة القدر . وقد سبقت في مسائل تبويب المصنف " باب ليلة القدر " .
قالت عائشة رضي الله عنها : قلت للنبي صلى الله عليه و سلم : أرأيت إن عَلِمْتُ ليلة القدر ، ما أقول ؟ قال قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني . رواه الإمام أحمد والنسائي في الكبرى وابن ماجه ، وهذا لفظ النسائي . وصححه الألباني والأرنؤوط .

3 = في هذا الحديث : " فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ " وفي رواية ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : وكانوا لا يزالون يَقُصّون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر ، فمن كان مُتَحَرِّيها فليتحَرّها من العشر الأواخر .

وفي حديث عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تَحَرّوا ليلة القدر في الوتر مِن العشر الأواخر من رمضان . رواه البخاري ومسلم . وهذا لفظ البخاري . – وسيأتي شرحه – .

4 = في حديث أبي سعيد رضي الله عنه ، قال : اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط مِن رمضان ، فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال : إني أريت ليلة القدر ثم أُنسيتها - أو نسيتها - ، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر ، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية للبخاري : والْتَمِسُوها في كل وِتر ، فَمَطَرت السماء تلك الليلة ، وكان المسجد على عريش ، فَوَكَف المسجد ، فَبَصُرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين مِن صُبح إحدى وعشرين . – وسيأتي شرح حديث أبي سعيد رضي الله عنه – .
فهذه الأحاديث تدُلّ على أن ليلة القدر تنتقل بين ليالي العشر ، وبين ليالي الوتر خاصة .
قال ابن عبد البر : فهذا يدل على أن ليلة القدر تنتقل . اهـ .
وما في حديث ابن عمر وغيره من تتابُع الرؤى على أنها ليلة سبع وعشرين ، محمول على تلك السنة التي رأوا فيها الرؤيا .

5 = تحريها والْتِماسها : طلبها ، وفيه دليل على إخفاء ليلة القدر ؛ لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى الْتِماس وتَحَرٍّ .
وفي رواية : " تَحَيَّنُوا ليلة القَدر " أي : اطلبوا حِينها ، وهو زمانها . قاله النووي .
قال ابن عبد البر : قوله : " من كان مُتَحَرِّيها " يَدُلّ على أن قيام ليلة القدر نافلة غير واجب ، ولكنها فضل . ويَدُلّ هذا الحديث وما كان مثله على أن الأغلب فيها ليلة سبع وعشرين ، ويمكن أن تكون ليلة ثلاث وعشرين . اهـ .

6 = سبب إخفاء ليلة القدر ؟
في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يُخْبِر بِلَيْلَة القَدْر ، فتلاحى رَجُلان مِن المسلمين ، فقال : إني خرجت لأخبركم بِلَيلة القَدر ، وإنه تَلاحَى فلان وفلان ، فَرُفِعَتْ ، وعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس . رواه البخاري .

قال ابن كثير : قوله: "فتلاحى فلان وفلان فرفعت" : فيه استئناس لِمَا يُقال : إن المماراة تقطع الفائدة والعِلْم النافع .
وقال أيضا : وقوله : "وعسى أن يكون خيرًا لكم" يعني : عدم تعيينها لكم ، فإنها إذا كانت مُبْهَمَة اجتهد طُلابها في ابتغائها في جميع مَحَالّ رَجائها ، فكان أكثر للعبادة ، بخلاف ما إذا عَلِمُوا عَينها فإنها كانت الهمم تَتَقَاصَر على قيامها فقط . وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها ، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر .
وقال : وقوله: "فَرُفِعت" أي : رُفِع عِلم تَعينها لكم ، لا أنها رُفِعت بالكلية مِن الوجود . اهـ .
وما في هذا الحديث محمول على أن الإخبار عن ليلة القدر فيما يتعلّق بِتلك السنة .
ومثله ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أُرِيت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها ، فالتمسوها في العشر الغوابر . رواه مسلم .

7 = ذَكَر ابن كثير أحد عشر قولاً في تعيين ليلة القدر . وقول للرافضة ! ويُضاف إليها قول ضعيف ، فتُصبح الأقوال اثنا عشر قولاً مع اطِّراح قول الرافضة ! إذ لا عبرة بأقوالهم .
وذَكَر الحافظ العراقي : ثلاثة وثلاثين قولاً في تعيين ليلة القدر .

8 = حَلَف أُبيّ بن كعب رضي الله عنه لا يَستثنى أنها ليلة سبع وعشرين . قال زِرّ بن حُبيش : فقلت : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ قال : بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها . رواه مسلم .
فهذا محمول على أمرين :
الأول : أن هذا كان رأي أُبيّ رضي الله عنه .
والثاني : اختصاص ذلك بِسَنَةٍ رأى أُبيّ فيها تلك العلامة في صبيحة سبع وعشرين .

وبالله تعالى التوفيق .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 11:23 am

شرح أحاديث عمدة الأحكام
شرح الحديث الـ 209

في تحري ليلة القدر في ليالي الوتر



عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ .

فيه مسائل :

1 = " تَحَرَّوا " ـ اطلبوا والْتَمِسُوا
وفي رواية : " تَحَيَّنُوا ليلة القَدر " أي : اطْلُبُوا حِينَها ، وهو زمانها . قاله النووي .
وفيه دليل على إخفاء ليلة القدر ؛ لأن الشيء البيِّن لا يحتاج إلى الْتِماس وتَحَرٍّ .

2 = هذا التحرّي لا يُقطَع معه بشيء ؛ لأن الوتر عند قوم يكون شِفْعًا عند آخرين . مع كون ليلة القدر تنتقل بين ليالي الوتر .

3 = " في الوتر " ، أي : مِن ليالي الوِتر ، وهي ليلة ( 21 ، 23 ، 25 ، 27 ، 29 ) .
ويدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام : التمسوها في العشر الأواخر مِن رمضان ، ليلة القدر في تاسعة تَبْقَى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى . رواه البخاري .

4 = " مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ " ، أي : مِن رمضان ، وهذا يردّ قول مَن قال إنها تُرجى في ليالي رمضان ، وأضعف منه القول بأنها تُرجى في جميع العام ! ولعل قائل ذلك أراد الاجتهاد في القيام في جميع العام ، وفي رمضان خاصة .
ولذلك " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر مِن رمضان ، ويقول : تَحَرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان " ، كما قالت عائشة رضي الله عنها .
قال ابن عبد البر : وفي هذه الأحاديث الحض على التماس ليلة القدر وطلبها بِصلاة الليل والاجتهاد بالدعاء . اهـ .

ويدلّ عليه أيضا ما يأتي في حديث أبي سعيد رضي الله عنه ، وهو الحديث التالي ..

5 = لا يعني تحرّي ليلة القدر ترك البقية ؛ لأن هذا محمول على حال الضعف ، مع أن معرفة ليلة القدر لا يُمكن الجزم به .
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التمسوها في العشر الأواخر - يعني ليلة القدر - فإن ضَعُف أحدكم أو عَجِز فلا يُغْلَبَنّ على السبع البواقي . رواه مسلم . وأصله في الصحيحين .
قال ابن عبد البر عن هذا الحديث : والأغلب مِن قوله : " في السبع الأواخر " أنه في ذلك العام ، والله أعلم ، لئلا يَتَضَادّ مع قوله : " في العشر الأواخر " ، ويكون قوله وقد مضى من الشهر ما يُوجِب قول ذلك . اهـ .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الأربعاء أبريل 16, 2014 11:40 am

شرح الحديث الـ 210
في تنقّل ليلة القدر بين ليالي الوتر



عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ . فَاعْتَكَفَ عَامًا , حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ : مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ . ثُمَّ أُنْسِيتُهَا , وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا . فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ . وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ .
فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ . وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ . فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ , فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ .

فيه مسائل :

1 = " كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ " ، لا يعني هذا أنه لم يعتكف ما قبل ذلك ؛ لأن ذِكْر ما قبل ذلك مَطويّ في هذه الرواية ، ففي رواية للبخاري :
قال : اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول مِن رمضان واعتكفنا معه ، فأتاه جبريل فقال : إن الذي تطلب أمامك ! فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه ، فأتاه جبريل فقال : إن الذي تطلب أمامك ! فقام النبي صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا صبيحة عشرين مِن رمضان فقال : مَن كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع ، فإني أريت ليلة القدر ، وإني نسيتها ، وإنها في العشر الأواخر في وِتْر ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء ، وكان سقف المسجد جريد النخل ، وما نَرَى في السماء شيئا ، فجاءت قَزَعَة فأُمْطِرنا ، فَصَلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته ، تصديق رؤياه .
ولذلك كان آخر الأمر منه عليه الصلاة والسلام أنه يعتكف العشر الأواخر مِن رمضان حتى توفّاه الله . كما في حديث عائشة رضي الله عنها .

2 = وفي رواية للبخاري : والْتَمِسُوها في كل وِتر ، فَمَطَرت السماء تلك الليلة ، وكان المسجد على عريش ، فَوَكَف المسجد ، فَبَصُرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين مِن صُبح إحدى وعشرين .

3 = تأكيد إخفاء ليلة القدر ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف مِن كُلّ رَمضان الْتِمَاسًا لها .

4 = سبق بيان سبب إخفاء ليلة القدر في حديث ابن عمر السابق .

ونسيان تعيين ليلة القدر لا تأثير له على البلاغ ، بل هو لِحكمة ظاهرة ، فقد أخفاها الله كما أخفى ساعة الجمعة ، وقد ذَكَر ابن حجر أربعين قولا في تعيين ساعة الجمعة .
قال ابن حجر في مسألة أخرى : وفيه دليل على جواز وقوع السهو مِن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال . قال ابن دقيق العيد : وهو قول عامة العلماء والنظار . اهـ .

5 = تواضعه عليه الصلاة والسلام في سجوده على الماء والطين ، وليس فيه دليل على وُجوب مُباشرة الأرض ؛ لأنه خبر عن حال ، وليس أمرًا .
قال أبو عبد الله [البخاري] : كان الحميدي يحتج بهذا الحديث ، إلاَّ يمسح الجبهة في الصلاة ، بل يمسحها بعد الصلاة ، لأن النبي رُئي الماء في أرنبته وجبهته بعد ما صلى . ذَكَره ابن رجب رحمه الله .

6 = مِن صبيحتها : يعني : في صلاة الفجر ، وهذه علامة يُستأنس بها لِمن قام ليلة القدر ، وهي مثل طلوع الشمس من غير شعاع .

= " فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ " لا يتعارض مع حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعا : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب . رواه البخاري ومسلم .
لأن هذا مِن نِسْبَة المطر إلى جهة نُزُوله ، وما في حديث زيد بن خالد مِن نِسْبَة الفِعل إلى الأنواء .

7 = " قوله : " وَكَف المسجد " ، أي : قَطَر سقفه بالماء ، وأوكف أيضا . قاله القاضي عياض .
وقال العيني في شرح أبي داود : قوله : " فوكَف المسجد " بفتح الكاف ، أي : قَطر ماء المطر مِن سقفه .

8 = بساطة بناء مسجده صلى الله عليه وسلم .
ومع ذلك كان مُنطلَقًا للدعوة والجهاد .

9 = فيه دليل على تنقّل ليلة القدر بين ليالي الوتر . وهو قول الجمهور .
قال الحافظ العراقي : وذهب جماعة من العلماء إلى أنها تنتقل ، فتكون سنة في ليلة ، وسنة في ليلة أخرى وهكذا ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي قلابة ، وهو قول مالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهم . اهـ .

10 = ذَكَر الحافظ العراقي في تعيين ليلة القدر ثلاثة وثلاثين قولا . وقد سبقت الإشارة إليه .

11 = كان السلف يجتهدون في العشر الأواخر ، ويتحرّون ليلة القدر ، ويستعدّون لها .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 5:20 am




شرح عمدة الأحكام

باب الاعتكاف
تبويب المصنف .

فيه مسائل :

1 = قال ابن عبد البر : الاعتكاف في كلام العرب : هو القيام على الشيء والمواظبة عليه والملازَمَة له .
وأما في الشريعة ؛ فمعناه الإقامة على الطاعة وعَمَل البِرّ على حَسَب مَا وَرَد مِن سُنن الاعتكاف .

وقال القاضي عياض : الاعتكاف معلوم في الشرع ، وهو ملازمة المسجد للصلاة وذِكْر الله .
وأصله في اللغة : اللزوم للشيء والإقبال عليه ، قال الله تعالى : (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) أي : الْمُقِيم بِه . يُقَال : عَكَف يَعْكُف ويَعْكِف - بِضَمّ الكاف وكسرها ، واعتكف أيضا ، وقوله : وهُم عُكوف . اهـ .

2 = نَقَل ابن عبد البر الإجماع على جواز الاعتكاف في جميع السنة عدا الأيام المنهي عن صيامها .
قال ابن عبد البر : فما أجمع العلماء عليه من ذلك أن الاعتكاف جائز الدهر كله إلاَّ الأيام التي نهى رسول الله عن صيامها ، فإنها موضع اختلاف ، لاختلافهم في جواز الاعتكاف بغير صوم .
وأجمعوا أن سُـنَّة الاعتكاف المندوب إليها شهر رمضان كله أو بعضه ، وأنه جائز في السنة كلها إلاَّ ما ذكرنا . اهـ .

3 = أجمعوا على أن الاعتكاف لا يكون إلاّ في مسجد .
قال ابن عبد البر : وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلاَّ في مسجد ، لقوله تعالى : (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) . اهـ .
وقال القرطبي : أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلاَّ في المسجد . اهـ .

4 = قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
قال ابن عباس : هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان ، فَحَرَّم الله عليه أن ينكح النساء ليلا ونهارا حتى يقضي اعتكافه .
وذَكَر ابن كثير أن هذا " هو الأمر المتفق عليه عند العلماء : أن المعتكف يحرمُ عليه النساء ما دامَ مُعْتَكِفًا في مسجده ، ولو ذهب إلى مَنْزِله لحاجة لا بُدّ له منها فلا يَحِلّ له أن يتلبَّث فيه إلاَّ بمقدار ما يَفْرَغ مِن حاجته تلك ، من قضاء الغائط ، أو أكْل ، وليس له أن يُقَبِّل امرأته ، ولا يَضُمّها إليه ، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ، ولا يَعود المريض ، لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه . اهـ .
وبَيَّن ابن كثير أيضا أن " المراد بالمباشرة : إنما هو الجماع ودواعيه مِن تَقْبِيل ومُعانقة ونحو ذلك ، فأما مُعاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به" .

5= من جامَع أثناء الاعتكاف أفسد اعتكافه .
قال القرطبي : أجمع أهل العلم على أن مَن جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فَرْجِها أنه مُفْسِد لاعتكافه ، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك ...
فأما المباشرة من غير جماع فإن قَصد بها التلذذ فهي مكروهة ، وإن لم يقصد لم يُكْرَه ، لأن عائشة كانت تُرَجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُعْتَكِف ، وكانت لا مَحَالة تَمَسّ بَدَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بِيدِها ، فَدَلّ بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة . اهـ .

6 = جمهور أهل العلم على أنه لا شيء على مَن أفْسَد اعتكافه .

7 = لو قطع اعتكافه ، فلا شيء عليه ؛ لأنه لا يجب المضي في فاسِده ، فليس مثل الحج . .

8 = نَقَل القرطبي على أن الاعتكاف سُـنّة إلاّ أن يكون نَذْرًا . وسيأتي تفصيل ذلك في حديث عمر رضي الله عنه .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 5:24 am


شرح الحديث الـ 211

في الاعتكاف في العشر الأواخر





عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ , حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ .
وَفِي لَفْظٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ .

فيه مسائل :

1 = في حديث أبي سعيد " كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ " .
وفي رواية : " اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول من رمضان " .
فهذا إخبار عما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان آخر الأمر منه أن اعتَكَف فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان ، ويدلّ عليه ما في حديث عائشة رضي الله عنها : حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .

2 = هل فيه دليل على وُجوب الصيام للاعتكاف ؟
الجواب : لا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى اعتكافه في شوال ، كما في حديث عائشة رضي الله عنها .
وسيأتي في حديث عمر رضي الله عنه أنه نذر أن يعتكف ليلة ، ويأتي تفصيل المسألة هناك .

3 = اعتكافه صلى الله عليه وسلم كان في مسجده ، بحيث تُضرب له خيمة ، وهي المراد في الرواية الثانية : فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ .
وفي رواية للنسائي في الكبرى : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه ، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر مِن رَمضان ، فأمَر فَضُرِب له خِباء .

4 = اسْتُدِلّ به مع حديث : " لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة . رواه البيهقي " على أنه لا اعتكاف إلاّ في الحرمين والأقصى .
قال ابن عبد البر : فذهب قوم إلى أن الآية خَرَجت على نَوع مِن المساجد ، وإن كان لفظه العموم ، فقالوا : لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نَبِيّ ، كَالْكَعْبَة ، أو مسجد الرسول ، أو بيت المقدس لا غير .
ورُوي هذا القول عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب ...
وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز ...
وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والثوري ، وهو أحد قولي مالك ، وبِه يقول ابن عُلية وداود والطبري .
وحجتهم حَمْل الآية على عُمومها في كل مسجد . اهـ .
وقول جمهور أهل العِلْم على جواز الاعتكاف في كل مسجد .
وأجابوا عَمَّا في هذا الحديث : بأنه الأفضل والأكمل أن يكون في المساجد الثلاثة .
قَالَ الإمام مَالِك في الموطأ : الأمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لا اخْتِلافَ فِيهِ : أَنَّهُ لا يُكْرَهُ الاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ ، وَلا أُرَاهُ كُرِهَ الاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لا يُجَمَّعُ فِيهَا إِلاَّ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا لا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ ، فَإِنِّي لا أَرَى بَأْسًا بِالاعْتِكَافِ فِيهِ ، لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَال : (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ، فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا .

5 = لا يصح الاعتكاف في البيوت .
قال ابن عباس رضى الله عنهما : إن أبغض الأمور إلى الله البِدَع ، وإن مِن البِدَع الاعتكاف في المساجد التى في الدور . رواه البيهقي .
قال ابن رجب : ومساجد البيوت لا يثبت لها أحكام المساجد عندَ جمهور العلماء .

6 = " فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ " يعني : صلاة الفجر .

7 = جواز اعتكاف النساء في المساجد إذا أُمِنت الفتنة ، وأمِنّ مِن الانكشاف .
قال النووي : الاعتكاف لا يصح إلاَّ في المسجد ؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في مُلازمته ، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مَرّة ، لا سيما النساء ، لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر . وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد وأنه لا يصح في غيره ، هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود ، والجمهور سواء الرجل والمرأة . اهـ .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 5:28 am


شرح الحديث الـ 212

في خروج المعتكف أو خروج بعض جسده






عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها : أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ , وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ . وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا : يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّة " .

فيه مسائل :

1 = تُرجِّل ، أي : تُسرِّح شَعْرَه .

2 = فيه خِدمة المرأة لزوجها بالمعروف ، وأنه ليس فيه ابتذال ولا امتهان للمرأة .
قال النووي : فيه جواز استخدام الزوجة في الغسل والطبخ والخبز وغيرها بِرِضَاها ، وعلى هذا تظاهرت دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة . اهـ .
وقال الحافظ العراقي : فيه أنه لا بأس باستخدام الزوجة في مثل ذلك ، وأنه ليس فيه نَقْص ، ولا هَتْك حُرْمَة ، ولا إضرار بها . اهـ .

3 = " يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ " قال النووي : فيه أن المعتكف إذا خَرَج بعضه مِن المسجد ، كَيَدِه ورِجْلِه ورَأسه لم يبطل اعتكافه ، وأنّ مَن حَلَف أن لا يَدْخُل دَارًا ، أو لا يخرج منها ، فأدْخَل أوْ أخْرَج بَعْضَه ، لا يحنث . اهـ .

4 = فيه دليل على طهارة بَدَن الحائض ، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة : ناوليني الخمرة مِن المسجد . قالت : فقلت : إني حائض ، فقال : إن حيضتك ليست في يدك . رواه مسلم .
قال ابن عبد البر : فَدَلّ هذا على أن كل عضو منها ليس فيه نجاسة فهو طاهر . اهـ .

5 = قُرْب بيته صلى الله عليه وسلم من المسجد ، ولذا تمّ إدخال بيته صلى الله عليه وسلم إلى ناحية المسجد لَمّا توسّع المسجد ، وخُشِي على جسده الشريف صلى الله عليه وسلم .
ولا حُجّة لأهل البِدَع في إدخال بيته وفيه قبره إلى مسجده صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ذلك ليس مِن عمله صلى الله عليه وسلم ، بل ولا مِن عمَل أصحابه رضي الله عنهم . ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يُدفَن في المسجد أصلا ، بل دُفِن في بيته . ثم ضُـمّ بيته إلى المسجد .

6 = قوله : وَفِي رِوَايَةٍ هذه والتي تليها عند مسلم .

7 = " لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ "
قال ابن عبد البر : في ذلك دليل على أن المعتكف لا يَشتغل بغير مُلازمة المسجد للصلوات وتلاوة القرآن وذِكْر الله ، أو السكوت ففيه سلامة ، ولا يَخْرُج مِن المسجد إلاّ لحاجة الإنسان ، كل ما لا غِنى بالإنسان عنه مِن منافعه ومصالحه ، وما لا يقضيه عنه غيره .
وقال : ولا يَخرج إلاَّ لضرورة ، كَالْمَرَض الـبَيِّن ، والحيض في النساء . وهذا في معنى خروجه لحاجة الإنسان ؛ لأنها ضرورة . اهـ .
وقال ابن دقيق العيد : كِنَايَةٌ عَمَّا يَضْطَرُّ إلَيْهِ مِنْ الْحَدَث . اهـ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ .

8 = فيه أن الْمُعْتَكِف غير ممنوع مِن الـتَّرفُّـه ، إذ ليس هذا مما يُتعبَّد به في الاعتكاف . ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسرِّح شَعْرَه وهو في مُعتكَفه .
قال الإمام البخاري : باب المعتكف يُدْخِل رأسه البيت للغسل .

قال الإمام مالك : الْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ يَدَّهِنَانِ وَيَتَطَيَّبَانِ ، وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ شَعَرِهِ ، وَلا يَشْهَدَانِ الْجَنَائِزَ ، وَلا يُصَلِّيَانِ عَلَيْهَا ، وَلا يَعُودَانِ الْمَرِيضَ . اهـ .

9 = فيه أنّ مسّ المرأة غير مُؤثِّر في الاعتكاف ولا في الوضوء .
قال الحافظ العراقي : فيه أن مماسة المعتكف للنساء ومماستهن له إذا كان ذلك بغير شهوة لا يُنَافِي اعتكافه ، وهو كذلك بلا خلاف ، فإن كان بشهوة فهو حَرام ، وهل يَبْطُل به الاعتكاف ؟ يُنْظَر ، فإن اقترن به إنزال أبطل الاعتكاف ، وإلاَّ فلا ، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم . اهـ .

10 = لا يُكرَه للمعتكِف عقد النكاح .
قَالَ الإمام مَالِك : لا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ نِكَاحَ الْمِلْكِ ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ أَيْضًا تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ ... وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ وَلا لِلْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَنْكِحَا فِي اعْتِكَافِهِمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ فَيُكْرَهُ ، وَلا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْكِحَ فِي صِيَامِهِ . اهـ .

11 = جواز عيادة المريض على وجه المرور .
قال ابن دقيق العيد : وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ : جَوَازُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ عَلَى وَجْهِ الْمُرُورِ ، مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ . وَفِي لَفْظِهَا إشْعَارٌ بِعَدَمِ عِيَادَتِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .

12 = يُكرَه للمعتكِف الاشتغال بالتجارة ؛ لأنها خلاف اعتكافه .

13 = اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة أن المعتكف لا يَخْرُج مِن موضع اعتكافه لشهود جنازة ، ولا لعيادة مريض ، ولا يفارق موضع اعتكافه إلاَّ لحاجة الإنسان . قاله ابن عبد البر . وسيأتي في حديث عمر ما يتعلّق بالاشتراط قبل الاعتكاف .

14 = هل يشتغل المعتَكِف بِطلب العِلْم ؟
قال مالك : لا يَشتمل المعتكف في مجالس أهل العِلم ، ولا يكتب العِلم .
وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وسعيد بن عبد الرحمن والليث بن سعد والشافعي : لا بأس أن يأتي المعتكف مجالس العلماء في المسجد الذي يعتكف فيه . ذَكره ابن عبد البر .
وإذا كان يشتغل بما هو دون ذلك مِن تسريح شعره ونحوه ، فالاشتغال بالعِلْم النافع مِن باب أوْلَى .

15 = جواز خروج المعتكف لِواجب أو طارئ .
ذَكَر ابن قدامة أن المعتكف إن خَرَج لإِنْقَاذِ غَرِيقٍ ، أَوْ إطْفَاءِ حَرِيقٍ ، أَوْ أَدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ؛ أنه لا يبطل اعتكافه .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 5:41 am

شرح الحديث الـ 213

في نذر الاعتكاف


عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ : يَوْماً - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . قَالَ : فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ .
وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَوْماً ولا لَيْلَةً .

فيه مسائل :

1 = قوله رضي الله عنه : " نذرت " :
النذر أنواع :
1 – نذر مُطلَق ، نحو : عليّ نَذْر . قال ابن قدامة : فهذا تجب به الكفارة في قول أكثر أهل العلم . اهـ .
2 – نذر اللجاج والغضب ، وهو الذي يُخْرِجه مَخْرَج اليمين للحث على فِعل شيء أو المنع منه غير قاصد به للنذر ولا القُرْبة ؛ فهذا حُكْمه حُكْم اليمين . قاله ابن قدامة أيضا .
3 – نذر مُباح . قال ابن قدامة : المباح كَلُبس الثوب ، وركوب الدابة ، وطلاق المرأة على وجه مباح ؛ فهذا يتخير الناذر فيه بين فِعْله ، فَيَبَرّ بذلك ... وإن شاء تركه وعليه كفارة يمين ، ويَتَخَرَّج أن لا كفارة ... وقال مالك و الشافعي : لا ينعقد نذره لقول النبي صلى الله عليه و سلم : " لا نذر إلاَّ فيما ابْتُغِيَ به وَجه الله " .
4 – نذر المعصية ، فلا يَحِلّ الوفاء به إجماعا ؛ ولأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : مَن نَذَر أن يعصي الله فلا يعصه . قاله ابن قدامة .
5 – نذر الواجب ، قال ابن قدامة : كالصلاة المكتوبة ، فقال أصحابنا : لا ينعقد نذره .
6 – نذر المستحيل ، كَصَوم أمس ، فهذا لا ينعقد ، ولا يُوجب شيئا ؛ لأنه لا يُتَصَوَّر انعقاده ولا الوفاء به ، ولو حلف على فعله لم تلزمه كفارة ، فالنذر أولى . قاله ابن قدامة
7 – نَذْرٌ مكروه .
8 – نذر تَبَرُّر ، وهو على نوعين :
ابتداء : مثل نذر عمر رضي الله عنه أن يعتكف .
في مُقابِل : مثل أن يَكون في مُقابل ، كأن يقول : لله عليّ نذر إن عوفي مريضي ، ونحو ذلك . فهذا مكروه ، ويجب الوفاء به إذا تحق ما نذر عليه .
وبعض أهل العلم أدخل بعض هذه الأنواع في بعض .

2 = مَن نذر في حال كُفره ، شُرِع له الوفاء به إذا أسْلَم .
قال ابن الْمُلقِّن : فيه صِحّة النذر من الكافر ، وهو وجْه في مذهب الشافعي . وذكَر أن مذهب الجمهور أنه لا يصحّ . قال : لأن النذر قُربَة ، والكافر ليس أهلاً لها . والحديث مُأوَّل على أنه أُمِر أن يأتي باعتكاف يوم شبيه بِما نذر لئلا يُخِلّ بِعبادة نوى فعلها ، فأطلَق عليه أنه منذور لِشِبْهه به وقيامه مقامه في فِعل ما نواه مِن الطاعة ...
وأجابوا أيضا : أنه يُحمَل الأمر على الاستحباب . اهـ .
والذي يظهر أنه يصحّ إذا أسْلَم ، ويُشْرَع له الوفاء به ؛ باعتبار ما آل إليه الأمر ، لقوله عليه الصلاة والسلام لِحَكيم بن حزام رضي الله عنه : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ . رواه البخاري ومسلم .

3 = " أوفِ بنذرك " : محمول على الاستحباب .
قال ابن بطّال : محمول عند الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب ؛ بدلالة أن الإسلام يَهْدِم ما قبله . اهـ .
هذا إذا كان النذر في حال كُفْر .

4 = مَن نذر في الإسلام أن يعتكف وَجَب عليه الوفاء به .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الاعْتِكَافَ سُنَّةٌ لا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا ، إلاّ أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الاعْتِكَافَ نَذْرًا ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ .

5 = " ليلة " عليها أكثر الرواة ، وهي روايات الصحيحين . ولذا قال البخاري : باب الاعتكاف ليلا .
وقال : باب من لم ير عليه صوما إذا اعتكف . ثم روى رواية " ليلة " . وروى أيضا : فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً .
وروى مسلم : " يومًا " وروى " ليلة " .
قال ابن حجر : ورِواية مَن رَوى " يومًا " شاذة ، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية بعد أبواب " فاعتكف ليلة " ، فَدَلّ على أنه لم يَزد على نذره شيئا ، وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له . اهـ .

6 = ضَعْف رواية : اعْتَكِف وصُم .
قال ابن حجر : وقد وَرَد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحا ، لكن إسنادها ضعيف ، وقد زاد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : اعتكف وَصُم . أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل ، وهو ضعيف . وَذَكَر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار . اهـ .

7 = يصحّ الاعتكاف من غير صيام . وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في شوال ، ولم يُذْكَر أنه صام لأجل الاعتكاف .
وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَر عمر رضي الله عنه بالوفاء بِنذره ، والاعتكاف ليلا .
وقال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم : ليس على المعتكِف صوم إلاّ أن يجعله على نفسه .
قال الترمذي : وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ : لا اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصَوْمٍ . وقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ إِلاَّ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمًا ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ . وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ . اهـ .

وذهب أبو حنيفة ومالك إلى اشتراط الصيام .
وقال الشافعي : لا يُشترط .
وعن أحمد : روايتان .
قال الخرقي : ويجوز بلا صوم .
قال ابن قدامة : الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الاعْتِكَافَ يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الاعْتِكَافِ ...
وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ ، لأَنَّهُ لا صِيَامَ فِيهِ ، وَلأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلاةِ ، وَلأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَات ، وَلأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِالشَّرْعِ ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ ، وَلا إجْمَاعٌ .
قَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ ، قَالَ : كَانَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي اعْتِكَافٌ ، فَسَأَلْت عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهَا صِيَامٌ ، إلاّ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا .
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لا اعْتِكَافَ إلا بِصَوْمٍ .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لا .
قَالَ : فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ قَالَ : لا .
قَالَ : فَعَنْ عُمَرَ ؟ قَالَ : لا .
قَالَ : وَأَظُنُّهُ قَالَ : فَعَنْ عُثْمَانَ ؟ قَالَ : لا .
فَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَقِيت عَطَاءً وَطَاوُسًا ، فَسَأَلْتُهُمَا ، فَقَالَ طَاوُسٌ : كَانَ فُلانٌ لا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا ، إلا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا . اهـ .

8 = أقلّ الاعتكاف :
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن أقلّ الاعتكاف يوم وليلة .
وذهب الشافعية إلى جواز الاعتكاف ساعة أو لحظة . وهو رواية عن أحمد .
قال النووي : أقل الاعتكاف فيه أربعة أوجه – ثم ذَكَر الوجه الأول – فقال :
أحدها : وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور : أنه يُشترط لُبث في المسجد ، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة . اهـ .
والذي يظهر أنه يُرجَع في ذلك إلى تعريف الاعتكاف ، وأنه لُزوم المكان ، فلا يصح الاعتكاف لحظة !

9 = هل للمعتكِف أن يشترط شيئا في اعتكافه ؟
له أن يشترط ما لا يُخالف أصل الاعتكاف ، وليس له أن يشترط ما يُبطِل الاعتكاف .
قال الإمام الشافعي : ومن أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل فيه قبل الغروب ، فإذا هل شوال فقد أتم العشر . ولا بأس أن يشترط في الاعتكاف الذي أوجبه بأن يقول : إن عَرَض لي عارض خَرَجْتُ .
وقال ابن عبد البر : وممن أجاز الشرط للمعتكف : أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، إلاّ أن أحمد اخْتَلَف قوله فيه ، فَمَرَّة قال : أرجو أنه لا بأس به ، ومَرّة مَنَع منه .
وقال إسحاق : أما الاعتكاف الواجب فلا أرى أن يعود فيه مريضا ولا يشهد جنازة ، وأما التطوع فإنه يَشْرط فيه حين يبتدئ : شهود الجنازة وعيادة المرضى . اهـ .

وقال ابن قدامة : قَالَ الأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُعْتَكِفِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَأْكُلَ فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَ : إذَا اشْتَرَطَ فَنَعَمْ .
قِيلَ لَهُ : وَتُجِيزُ الشَّرْطَ فِي الاعْتِكَافِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قُلْت لَهُ : فَيَبِيتُ فِي أَهْلِهِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ تَطَوُّعًا ، جَازَ . اهـ .
وقال : وَإِنْ شَرَطَ الْوَطْءَ فِي اعْتِكَافِهِ ، أَوْ الْفُرْجَةَ ، أَوْ النُّزْهَةَ ، أَوْ الْبَيْعَ لِلتِّجَارَةِ ، أَوْ التَّكَسُّبَ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَالصِّنَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي غَيْرِ الاعْتِكَافِ ، فَفِي الاعْتِكَافِ أَوْلَى . اهـ .
ويرى شيخنا الشيخ العثيمين رحمه الله : جواز اشتراط ذلك في ابتداء الاعتكاف ، فإذا نوى الدخول في الاعتكاف ، قال : أستثني يا رب عيادة المريض أو شهود الجنازة.
ولكن هذا لا ينبغي، والمحافظة على الاعتكاف أولى ، إلا إذا كان المريض أو من يتوقع موته، له حق عليه، فهنا الاشتراط أولى، بأن كان المريض من أقاربه الذين يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رَحِم ، فهنا يَسْتَثْنِي، وكذلك شهود الجنازة " . اهـ .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 5:47 am


شرح الحديث الـ 214

في زيارة المعتكف

عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا . فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً . فَحَدَّثْتُهُ , ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ , فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : عَلَى رِسْلِكُمَا . إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ . فَقَالا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ . وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا - أَوْ قَالَ شَيْئًا .
وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ . فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً . ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ . فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا , حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ . ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ .

فيه مسائل :

1 = جواز زيارة المرأة لزوجها وهو في مُعتَكَفه ، ومثله زيارة مَن له حقّ ، كالأب ونحوه ، ولو لم يكن مُعتَكِفًا ، كأن يكون له عادة في مُلازمة المسجد ، وترغب امرأة مِن محارمه زيارته .
وترجم له البخاري : باب : زيارة المرأة زوجها في اعتكافه .

2 = جواز خروج المرأة مِن بيتها إذا لم يترتّب على ذلك مفسدة ، إذا عَلِمَتْ أن زوجها لا يُمانِع مِن خروجها .
أما إن عَلِمَتْ أنه لا يرضى خروجها فلا يجوز لها الخروج .
قال ابن قدامة : وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ ، سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا ، أَوْ عِيَادَتَهُمَا ، أَوْ حُضُورَ جِنَازَة أَحَدِهِمَا .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ : طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا ، إلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا . اهـ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا ، وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَب . اهـ .

3 = الخروج اليسير للمعتَكِف لا يُؤثِّر على اعتكافه ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى باب المسجد .
قال البخاري : باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد .
قال ابن بطال : لا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غِنى به عنه . اهـ .
وقال ابن حجر : وروى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلَّى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مُعْتَكِفًا في المسجد ، فاجتمع إليه نساؤه ثم تفرقن ، فقال لصفية : أقلبك إلى بيتك ، فذهب معها حتى أدخلها بيتها .

4 = وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد" ، أي : الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد ؛ لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية ، وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حوالي أبواب المسجد . قاله ابن حجر .

5 = " ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ " ، أي : لأرجِع . والانقلاب : هو الرجوع ، ومنه قوله تعالى : (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال البغوي : إِذَا انْقَلَبُوا : انصرفوا .
ومِنه قوله تعالى : (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) قال ابن كثير : أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم . اهـ .

6 = مشروعية ذبّ المرء عن عِرضه ، ودفع التهمة عنه . فهذا أشرف الْخَلْق صلى الله عليه وسلم دَفَع عن نفسه ما قد يَقَع في النفس ، وأخبر عن المرأة التي معه أنها زوجته صفية رضي الله عنها .
وقال عمر رضي الله عنه : مَن عَرَّض نفسه للتهمة فلا يلومن مَن أساء به الظن .
ومَرّ بِرَجُل يُكَلِّم امرأة على ظَهر الطريق ، فَعَلاه بالدِّرَّة ، فقال : يا أمير المؤمنين إنها امرأتي ! فقال : هلاّ حيث لا يراك أحدٌ مِن الناس . ذَكَره الغزالي في " إحياء علوم الدِّين " .

7 = " عَلَى رِسْلِكُمَا " ، أي : تمهّلا .

8 = " إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ " ، يعني : أنها زوجته صلى الله عليه وسلم ، وليست امرأة غريبة .

9 = جواز مُحادثة الأجنبي ومع الرجل أهله .

10 = إثبات جريان الشيطان من ابن آدم مجرى الدم ، وأن تلبّس الشيطان أهون من ذلك ؛ لأن تلبّس الجن محسوس ، وهذا أمر غير محسوس ، ويجب الإيمان بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

11 = " فِي الْمَسْجِدِ " (ال ) هنا للعهد ، وهو مسجده صلى الله عليه وسلم .

12 = " ساعة " وقت ، ولا يُراد بها الساعة المعروفة ، والتي هي جُزء مِن اثني عشر جزء من اليوم .

وبالله تعالى التوفيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 11:17 am


شرح أحاديث عمدة الأحكام


كتاب الحج


1= الحج لغة هو :
القصد .
و العمل .
وقال الخليل بن أحمد : هو كثرة القصد إلى من تُعظِّم . ذكره ابن الملقِّن .

وشرعاً : هو قصد مخصوص ، من شخص مخصوص ، إلى مَحَلٍّ مخصوص ، في زمن مخصوص ، على وجه مخصوص . ذَكَره ابن الملقِّن .

شرح التعريف :
قصد مخصوص : لإخراج سائر المقاصد ، فهو قصد مخصوص .
من شخص مخصوص : هو المسلم العاقل البالغ الْحُرّ القادر – وتزيد المرأة " وجود محرم " – .
فالكافر لا يَصِحّ منه ، ولو حجّ حال كُفره لزمته الإعادة بعد إسلامه .
والمجنون ، لا يَصِحّ منه تقرّب .
والصغير لو حجّ ثم بَلَغ ، أو العبد لو حجّ ثم عتِق ، فعليهم حجّة الإسلام .
والقادر : الذي يجد المال والراحلة وما يَحجّ به زائداً عن قُوت من يَعول ، لأن الحج على الاستطاعة .
ومن الاستطاعة في حق المرأة : وُجود المحرم أو الزوج .
إلى محلّ مخصوص : هو مكة – شرّفها الله – والمشاعر المقدّسة .
في زمن مخصوص : هي أشهر الحجّ .
على وجه مخصوص : هي أفعال الحج .
فلو قصد مكة من تنطبق عليه شروط وُجوب الحج وأتى بأفعال الحج واختلّ شرط الزمن الخصوص لم يَكن فِعله حَجّاً ولا يُقبل منه .
وكذا لو اختل واحد من أركان التعريف .

2= هل يَجِب الحج على الفور ؟
في المسألة قولان :
الصحيح منهما : أنه يَجب على الفور .
فإن قيل : فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يَحجّ إلا في آخر حياته . فكيف تقولون يجب على الفور ؟
فالجواب :
أن مكة لم تكن قبل ذلك دار إسلام إلا بعد الفتح .
وقد بَعَث عليه الصلاة والسلام أبا بكر ثم أتبَعه بِعليّ رضي الله عنهما يُنادون في الناس : ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . كما في الصحيحين .
فلو حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الظروف لم يتمكّن الصحابة رضي الله عنهم من أخذ مناسكهم عنه عليه الصلاة والسلام على الوجه المطلوب ، ولم تتمحّض الصُّحْبَة ، بل يكون في الناس مسلم ومشرك .
فلما تم إعلان ذلك وإعلام الناس بذلك حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة .
ثم إن دلالة القول أقوى من دلالة الفعل .
فإنه صلى الله عليه وسلم قال : أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فَحُجُّوا . رواه مسلم .
والأمر يقتضي المبادرة .
فلو افترضنا تعارض القول لفِعل فإن الفعل مُقدَّم على القول ، كيف وهو ليس بينهما تعارض ؟!
وبالوجوب على الفور القول قال أبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية .

3= حُكم العمرة :
واجبة .
قال تعالى : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) .
قال القرطبي : في هذه الآية دليل على وجوب العمرة ، لأنه تعالى أَمَرَ بإتمامها كما أَمَرَ بإتمام الحج . قال الصُّبَي بن مَعبد : أتيت عمر رضي الله عنه ، فقلت : إني كنت نصرانيا فأسلمت ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ ، وإني أهللت بهما جميعا . فقال له عمر : هُدِيتَ لِسُنَّة نبيك . قال ابن المنذر : ولم يُنْكِر عليه قوله " وجدتُ الحج والعمرة مكتوبتين عليّ " .
وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس . وروى الدارقطني عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع ... قال ابن جريج : وأُخْبِرتُ عن عكرمة أن ابن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا .
وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين : عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد ، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ، وابن الجهم من المالكيين . وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة . وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج ، فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت . ذكره الدارقطني .
وكان مالك يقول : العمرة سُنّة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها . وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكي ابن المنذر ، وحكي بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج ، وبأنها سُنة ثابتة قاله ابن مسعود وجابر بن عبد الله . انتهى ما ذَكَره القرطبي في التفسير .

بابُ المواقيتِ

1= المواقيت جمع ميقات
والميقات : هو الْحَـدّ .

وشرعا : هي الحدود المكانية التي حدَّها الشارع لمن أراد الحج أو العمرة أو هما معاً .

2= مواقيت الحج :جَمَعتْ بين المواقيت الزمانية والمكانية .
فالحاج يقصد مكة في أشهر الحج ، ويُحرِم من هذه المواقيت .
ومن كان دون ذلك فميقاته من مكانه – كما سيأتي – .

والله تعالى أعلم .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 11:25 am


الحديث الـ 228-229

المواقيت المكانية



ح 228
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ : ذَا الْحُلَيْفَةِ . وَلأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ . وَلأَهْلِ نَجْدٍ : قَرْنَ الْمَنَازِلِ . وَلأَهْلِ الْيَمَنِ : يَلَمْلَمَ . هُنَّ لَهُنّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ , مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ . وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ : فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ , حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ .

ح 229
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ , وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ , وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ . قَالَ عبد الله : وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ .

في الحديثين مسائل :

1= توقيت هذه المواقيت كتوقيت مواقيت الصلاة لا يجوز تجاوزها لمن أراد الحج أو العمرة .
وفي حديث ابن عمر : " يُهِلّ " وفي رواية " مُهَلّ " وهو خبر بمعنى الأمر .
وفي رواية لمسلم لحديث ابن عمر : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة أن يُهِلُّوا من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن . وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : وأُخْبِرتُ أنه قال : ويُهِلّ أهل اليمن من يلملم .
وفي رواية للبخاري من طريق زيد بن جبير أنه أتى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في مَنْزِله - وله فسطاط وسرادق - فسألته : من أين يجوز أن أعتَمِر ؟ قال : فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرنا ، ولأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة .

2= هل هذه المواقيت توقيفية ؟
الجواب : نعم .
الإشكال :
لِمَ نُقِل ميقات الجحفة ؟
ولِم جَعَل الصحابة " ذات عرق " ميقاتاً لأهل العراق ؟
الجواب :
أن الجحفة لم تُنقَل بتقريب أو تبعيد ، وإنما في المحاذاة ، لأنها أصبحت جائرة عن الطريق ، أو انحرف الطريق عنها .
وذات عِرق في محاذاة المواقيت – وسيأتي الكلام عنها – .

3= لو أحرم من قبل هذه المواقيت .
يُكْرَه ، وينعقِد إحرامه .
لأنهم يَرون أنه ضيّق على نفسه ما كان له فيه سَعة .
وإن فَعَل ذلك تديّناً فقد شدّد العلماء في ذلك ، لأن هذا من باب البِدع .
حَكَى عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال : سألت مالكا عمّن أحْرَم من المدينة وراء الميقات . فقال : هذا مخالف لله ورسوله ، أخشى عليه الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة . أما سمعت قوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُهَلّ من المواقيت .
وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال : سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله من أين أُحْرِم ؟ قال : من ذي الحليفه حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : إني أريد أن أُحْرِم من المسجد فقال : لا تفعل .
قال : فإني أريد أن أُحْرِم من المسجد من عند القبر .
قال : لا تفعل ! فإني أخشى عليك الفتنة .
فقال : وأي فتنه هذه ! إنما هي أميال أزيدها ؟
قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قَصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم . إني سمعت الله يقول : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . [ الاعتصام للشاطبي ]
وقال القرطبي في التفسير : أجمع أهل العلم على أن من أحرم من قبل أن يأتي الميقات أنه مُحْرِم ، وإنما مَنَع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يُضَيّق المرء على نفسه ما قَد وسّع الله عليه ، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يَحْدُث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك ؛ لأنه زاد ولم ينقص . اهـ .

4= لو جاوز الميقات .
عند أبي حنيفة ومالك : لا ينفعه رجوعه ، وعليه دم .
عند الشافعي وأحمد : لو رَجَع قبل الدخول في النُّسُك ، ثم أحرم من الميقات فلا شيء عليه .
والذي يظهر رُجحان القول الثاني .
قال النووي : إن عاد قبل التلبس بِنُسُك سقط الدم ، وإن عاد بعده لم يسقط ، سواء كان النُّسُك رُكناً كالوقوف والسعي ، أو سنة كطواف القدوم . اهـ .

5= ذو الحليفة ، ويُسمّى " أبيار عليّ " وهو أقرب المواقيت إلى أهلها ، وهو أبعدها عن مكة .
والْتَمَس العلماء الحكمة في ذلك :
فقال بعض أهل العلم : السبب في ذلك أن أهل المدينة إذا قصدوا الميقات لا يُسافِرون قبل الميقات ، فكان سفرهم بعد الإحرام أطول لعدم وجود مشقّة سابقة .
وقال ابن حزم : إنما جعل ذلك ليعظم أجره عليه الصلاة والسلام .

6= الجحفة ، وتُسمى " مَهْيَعَة "
في رواية لمسلم : ومهل أهل الشام مهيعة ، وهي الجحفة .
وقد خَرِبتْ ثم نُقِل الميقات إلى رابغ .
وهو ميقات أهل الشام .

7= قَرْن الْمَنَازِلِ ، وتُسمّى " السيل الكبير " ويُحاذيها " وادي مَحْرَم " وقرن المنازل أو السيل الكبير على طريق مكة النازل على وادي نخلة ، حيث نَزَل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ردّه أهل الطائف .
و " وادي مَحْرَم " على طريق الهدا ، النازل بالقرب من عرفات .
وهو ميقات أهل نجد .

8= يلملم ، ويُسمّى " السَّعْدِيّة " وهو ميقات أهل اليمن .

9= ذات عرق .
اخْتُلِف فيها . هل هي توقيفية أو اجتهادية ؟
هل وقّتها الصحابة عندما فُتِحت العراق . أو جاء النص فيها ؟
فالذي يظهر أنه غير منصوص عليه .
قال الشافعي رحمه الله في الأم : هو غير منصوص عليه .
وروى البخاري من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فُتِح هذان الْمِصْرَان أتوا عمر ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَدّ لأهل نجد قرنا ، وهو جَور عن طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شقّ علينا . قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فَحَدّ لهم ذات عرق .

وعند مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يُسأل عن المهل ، فقال : سمعت - أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم - فقال : مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، والطريق الآخر الجحفة ، ومهل أهل العراق من ذات عرق ... الحديث .
قال الإمام النووي في المجموع :
وأما حديث جابر في ذات عرق فضعيف ، رواه مسلم في صحيحه لكنه قال في روايته عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال : سمعت - أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال : ومهل أهل العراق من ذات عرق؛ فهذا إسناد صحيح لكنه لم يجزم بِرَفْعِه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يثبت رفعه بمجرد هذا .
ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الجوزي - بضم الجيم المعجمة - بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك لكن الجوزي ([1]) ضعيف لا يحتج بروايته .
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطأة ، وهو ضعيف .
وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم وَقّتَ لأهل العراق ذات عرق . رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح ، لكن نقل ابن عَدِيّ أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه ، وانفراده به أنه ثقة .
وعن ابن عباس قال : وَقّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق . رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن . وليس كما قال ، فإنه من رواية يزيد بن زياد ، وهو ضعيف باتفاق المحدثين .
وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وَقّتَ أهل العراق ذات عرق . رواه أبو داود عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق . رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن .
وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وعطاء من كبار التابعين وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين إذا اعتضد بأحد أربعة أمور ، منها : أن يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ومن بعدهم . قال البيهقي : هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلا . قال : قد رواه الحجاج بن أرطأة عن عطاء وغيره مُتَّصِلاً ، والحجاج ظاهر الضعف . فهذا ما يتعلق بأحاديث الباب . اهـ .
قال الإمام ابن عبد البر : أجمع أهل العلم بالحجاز والعراق والشام وسائر أمصار المسلمين - فيما علمت - على القول بهذه الأحاديث واستعمالها لا يخالفون شيئا منها ، واختلفوا في ميقات أهل العراق ، وفيمن وقَّتَه ؟
وقال الإمام القرطبي في التفسير : وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله لا يخالفون شيئا منه ، واختلفوا في ميقات أهل العراق .

10= في رواية لمسلم : قال : فَهُنّ لهن ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ، فمن كان دونهن فمن أهله ، وكذا فكذلك حتى أهل مكة يهلون منها .
وفي رواية لمسلم أيضا : وقال : هُنّ لهم ، ولكل آتٍ أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة .
وهذا يعني أن المواقيت لتلك البلاد المذكورة من باب أولى .
وهُن مواقيت لمن أتى عليهن من غير أهلهنّ .
والرواية الثانية تعود على أهل تلك الديار ، وعلى غير أهلهنّ ممن مرّ بِهنّ مُريداً الحج أو العمرة ، أو هما معاً .

11= قوله صلى الله عليه وسلم : " ممن أراد الحج والعمرة " هل يُفهَم أنه على التخيير ؟ أو أنه لا يَجب على الفور ؟
أما الثاني فقد سبق جوابه آنفاً .
وأما الأول ، فهو غير مُراد قطعاً ، أي ليس وجوب الحج على التخيير ، بل هو واجب على المستطيع ، والحجّ ركن من أركان الإسلام .
ولكن لما كان هناك من يَمرّ على المواقيت ، وقد يكون مروره بِكثرة كالْمُكارِي [ كسائق الأجرة والحافلة والشاحنة ] الذي قد يَمرّ على المواقيت وهو لا يُريد حجّاً ولا عمرة ، فإنه لا يَلزمه إحرام .

12= قوله : " وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ : فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ " من حيث أنشأ العمرة أو الحجّ ، وهذا خاص بمن كان بين المواقيت وبين الحرم . لأن من كان داخل الْحَرَم حُكمه في الفقرة التالية .
وهذا يعني أن أهل جدّة – مثلا – وأهل الشرائع ونحوها يُحرِمون من أماكنهم ، ولا يُجاوزونها ، فإن جاوزوها فكالذي جاوز ميقاته .
وفي رواية للبخاري من حديث ابن عباس : فمن كان دونهن فَمَهَلّه من أهله .
قال ابن دقيق العيد : قوله : " ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ " يقتضي أنّ مَنْ مَنْزِله دون الميقات إذا أنشأ السفر للحج أو العمرة فميقاته مَنْزِله ، ولا يلزمه المسير إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت .

13= قوله صلى الله عليه وسلم : " حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ " أي يُهلّون من مكة ، وذلك بالحج دون العمرة
أما العمرة فيُهلّون ويُحرِمون بها من أدنى الْحِلّ ، كما فعلت عائشة رضي الله عنها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن دقيق العيد : أهل مكة يُحْرِمون منها ، وهو مخصوص بالإحرام بالحج ، فإنّ من أحرم بالعمرة ممن هو في مكة يُحْرِم من أدنى الْحِلّ .

14= لو مَـرّ الشامي بميقات أهل المدينة ، فمن أين يُحرِم ؟
يُحرِم من الميقات الذي مَـرّ بِهِ ، ولا يُجاوزه إلى ميقاته ، لدلالة هذا الحديث .
قال ابن عبد البر : أجمع أهل العلم بالعراق والحجاز على القول بهذه الأحاديث واستعمالها لا يخالفون شيئا منها ، وأنها مواقيت لأهلها في الإحرام بالحج منها ، ولكل من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة .
قال الشيرازي : وهذه المواقيت لأهلها ولكل مَنْ مَـرّ بِهَا من غير أهلها .
قال النووي : وهذا الحكم الذي ذكره المصنف مُتَّفق عليه ، فإذا مَرّ شامي من طريق العراق أو المدينة ، أو عراقي من طريق اليمن ، فيمقاته ميقات الإقليم الذي مَـرّ به ، وهكذا عادة حجيج الشام في هذه الأزمان أنهم يَمُرّون بالمدينة فيكون ميقاتهم ذا الحليفة ، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى الجحفة . اهـ .
وكذا القول في سائر المواقيت ، من مرّ بميقات غير ميقاته لزمه الإحرام إن كان مُريدا للحج أو العمرة أو هما
قال ابن حزم – في ذِكر الخلاف في هذه المسألة – : ومنه أن المالكيين قالوا : مَن مَرّ على المدينة من أهل الشام خاصة فلهم أن يَدَعُوا الإحرام إلى الجحفة ، لأنه ميقاتهم ، وليس ذلك لغيرهم . ومَنَعَ من ذلك أبو حنيفة والشافعي وأبو سليمان وغيرهم ، وهو الحق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " هُنَّ لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة " فقد صار ذو الحليفة ميقاتاً للشامي والمصري إذا أتى عليه ، وكان إن تجاوزه غير محرم عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما الميقات لمن مَرّ عليه بِنَصِّ كلامه عليه السلام لا لمن لم يَمُرّ عليه فقط . اهـ .

15= هل جُــدّة ميقات ؟
جُدّة ليست ميقاتاً ، بل هي داخل المواقيت ، ولذلك فإنه لا يَزالون يُحرِمون من بيوتهم ، وهذا بالإجماع ، فلا تكون جُدّة ميقاتاً لغير أهلها .
فالقادم من السودان أو من مصر جوّاً أو بحراً لا يجوز له أن يُحرِم من جدّة ، بل يُحرِم من محاذاة الميقات في البحر و في الجو .
فإن أحرم من جدّة لزِمه دم لمجاوزته الميقات .

16= مُهَلّ – يُهِلّ : روايتان عند مسلم .
قال النووي : وقوله صلى الله عليه وسلم : " يُهِلّ " معناه يُحْرِم بِرَفْعِ الصوت .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : والإهلال هو التلبية .

17= هل يقول عند إهلاله : نَويتُ الحج ؟ أو نويتُ العمرة ؟
الجواب : لا
والمشروع هو التلبية ، وهي بِمنْزِلة التكبير للصلاة .
فليس فيه جَهْر بالنية .
قال ابن رجب رحمه الله : وصَحّ عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج والعمرة. فقال له : أتُعَلّم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟ ونَصَّ مالك على مثل هذا ، وأنه لا يُسْتَحَبّ له أن يُسَمِّي ما أحْرَم به ، حكاه صاحب كتاب تهذيب المدونة من أصحابه . اهـ .
وهذا يَعني أن يُلبي بما أراد من حجّ أو عُمرة .

18= قول ابن عمر رضي الله عنهما :
قال عبد الله : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويُهِلّ أهل اليمن من يلملم .
فيه فائدة :
وهي أن الصحابة رضي الله عنهم لم يَكونوا يُولَعون بسياق الأسانيد في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند المحاققة والمسائلة ، أما ما عدا ذلك فالاختصار هو المنهج الذي كانوا يسيرون عليه .
وإن تَعجب فاعجب لطالب عِلم يُحدِّث عامة الناس فيأتي بالأسانيد الطويلة وربما ساق ترجمة الراوي واسمه رباعياً ! وزاد ذِكر نسبه – وهل هو من أنفسهم أو من مواليهم ! – وهو يُحدِّث عامة الناس في موعظة قصيرة !
فهذا لم يكن من منهج الصحابة ، بل ولا من منهج المحدِّثين .

والله تعالى أعلم .

--------------------------------
([1]) قال المطيعي في حاشية المجموع : كذا ضبطه الإمام النووي بالجيم ، وهو خطأ ، لأنه منسوب إلى الخوز – بالخاء المعجمة – وهوشِعب بمكة ، وليس منسوبا إلى خوزستان .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 11:30 am

الحديث الـ 230 ، 231

في ما لا يلبس الْمُحْرِم


ح 230
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما : أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لايَلْبَسُ الْقُمُصَ , وَلا الْعَمَائِمَ , وَلا السَّرَاوِيلاتِ , وَلا الْبَرَانِسَ , وَلا الْخِفَافَ , إلاَّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ , وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئاً مَسَّـهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ .
وَلِلْبُخَارِيِّ : وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ ، وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ .

ح 231
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ : مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ , وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ .

في الحديثين مسائل :

1= بوّب عليه المصنِّف " باب ما يلبس المُحْرِمُ من الثيابِ " قال ابن الملقِّن : أي وصِفة التلبية ، ومَنْع سَفر المرأة إلا بِزوج أو مَحرَم .

2= في رواية للبخاري : قال : قام رجل فقال : يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ؟

3= هذا الجواب يُسمّى " جواب الحكيم " فإن الأصل في الجواب مطابقة السؤال ، وهنا أفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل – وغيره – بزيادة على مطابقة الجواب ، وهو ما لا يلبس الْمُحرِم .
قال النووي :
قال العلماء : هذا من بديع الكلام وجَزْلِه ، فإنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبسه الْمُحْرِم ، فقال : لا يلبس كذا وكذا ، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما سوى ذلك ، وكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه مُنْحَصِر ، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر ، فضبط الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم : لا يلبس كذا وكذا ، يعنى ويلبس ما سواه ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شيء من هذه المذكورات ، وأنه نَـبّـه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما ، وهو ما كان مُحِيطاً أو مَخِيطا مَعْمُولاً على قَدْرِ البدن ، أو قَدْرِ عضو منه كالجوشن والتُّـبّان والقفاز وغيرها ، ونَـبّـه صلى الله عليه وسلم بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره ، حتى العصابة ، فإنها حرام ، فإن احتاج إليها لِشَجَّةٍ أو صداع أو غيرهما شدّها ولزمته الفدية ، ونَـبّـه صلى الله عليه وسلم بالْخِفَاف على كل ساتر للرِّجْل من مداس وجمجم وجورب وغيرها ، وهذا كله حكم الرجال ، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مَخِيط وغيره إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر ، وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء ، وهما قولان للشافعى أصحهما تحريمه ونَـبّـه صلى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على ما في معناهما وهو الطِّيب ، فَيَحْرُم على الرَّجُلِ والمرأة جميعا في الإحرام جميع أنواع الطيب ، والمراد ما يقصد به الطِّيب ، وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام ، لأنه لا يُقصد للطيب .

4= الثياب : جمع ثوب ، وهو يُطلق على المخيط وعلى غير المخيط من إزار ورداء ، ولذلك سأل الرجل : ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ؟

5= الْقُمُص : جمع قميص ، وهو نوع من الثياب . وربما اختصّ بما يُلبَس أعلى البدن .

6= العمائم : جمع عمامة ، وهو ما يُلفّ به الرأس .
وقيل سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَعُمّ جميع الرأس .
وفي حُكمها العصابة .

7= السراويلات : جمع سراويل .

8= البرانس : جمع بُرنس ، وهو كل ثوب رأسه ملتَصِق به .

9= الْخِفاف : جمع خُفّ ، وهو ما يُلبس في القدم .
وفي حُكمه : الجوارب والْجِزَم ، أو ما نُسميه " الكنادر " .

10= الزعفران : نبات معروف ، طيب الرائحة ، وقد كان يُستعمل في صبغ الثياب .

11= الورس : نبات أصفر تُصبَغ به الثياب أيضا .

12= القفاز : ما يُلبس في اليد .

13= النِّقاب : ما يُستَر به الوجه ، ويُفتح به فتحة صغيرة للعين ، وسُمِّي كذلك لأن فتحة العين صغيرة ، مأخوذ من النَّقْب ، وهو الفتحة الصغيرة .

14= هل تستر المرأة وجهها حال الإحرام ؟
الجواب :
يَحرُم عليها ستر وجهها حال الإحرام إلا إذا كانت بِحضرة رجال أجانب ، فإنه يجب عليها ستر وجهها .
وهذا يَدلّ على أن تغطية الوجه في غير الإحرام واجبة ، إذ لو كانت مسنونة لم يَجُز أن يُعارض بها الواجب ، ولا ارتُكِب من أجلها المحظور .
ويَدلّ عليه قول عائشة رضي الله عنها : كان الركبان يَمُرّون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحرِمَات فإذا حاذونا سَدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه .
وهذا عام في أمهات المؤمنين وغيرهن .
ومن ادّعى خصوصية أمهات المؤمنين بهذا الأمر فقد غلِط .
وذلك لأن عائشة رضي الله عنها أفتت نساء المؤمنين بذلك .
روى إسماعيل بن أبي خالد عن أمِّـه قالت : كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية ، فقلت لها : يا أم المؤمنين هنا امرأة تأبى أن تُغَطِّي وجهها . فَرَفَعَتْ عائشة خمارها من صدرها فَغَطَّتْ به وجهها . رواه ابن أبي خيثمة .
وكان عليه العمل عند غير أمهات المؤمنين .
كما رَوَتْ ذلك فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر - وهي جدتها - .
روى الإمام مالك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت : كنا نُخَمِّر وجوهنا ونحن محرمات ، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق .
فَدَل ذلك على أمور :
1 – أن المحذور لبس النِّقاب – ويَلتحق به " البرقع " – .
2 – أن المحذور تغطية الوجه إذا كانت المرأة في غير حضرة رجال أجانب .
3 – أن تغطية الوجه حال الإحرام جارية على قاعدة " درء المفاسِد مُقدّم على جلب المصالِح " ، فكشف الوجه فيه مصلحة وتغطيته " محظور من محظورات الإحرام " ، وفي كشفه فتنة ومفسدة ، إلا أن هذه المفسدة مدفوعة بستره وتغطيته إذا كانت المرأة بحضرة رجال أجانب .
قال ابن عبد البر :
وأجمعوا أن إحرام المرأة في وجهها ، وأن لها أن تُغَطّي رأسها وتستر شعرها وهي مُحْرِمَة ، وأن لها أن تَسْدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلاً خفيفا تَسْتَتِرُ به عن نَظَرِ الرَّجُل إليها . اهـ .

15= الحكمة في تخصيص لباس الإحرام بإزار ورداء .
قال النووي :
قال العلماء : والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن التَّرَفُّه ويَتَّصِف بِصِفَةِ الخاشع الذليل ، وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره ، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته ، وامتناعه من ارتكاب المحظورات ، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ، ويتذكر البعث يوم القيامة والناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعي .

16= الحكمة في تحريم النساء والطيب على الْمُحرِم
قال النووي : الحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن التَّرَفُّـه وزينة الدنيا وملاذّها ، ويجتمع هَمّه لمقاصد الآخرة .

17= وقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين "
الجمهور على قطع الخفّ إذا لم يجِد النعلين . وعُفي عن المفسدة هنا لوجود المصلحة ، ولأنه لا يُفسِد المال .
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين ما في حديث ابن عباس " مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ " فإن هذا لفظ عام ، والآخر خاص ، والخاص يقضي على العام .
والعمل بالحديثين أولى من إهمال أحدهما . والقول بالنسخ إهمال لأحد الحديثين .

18= فَـرَّق العلماء بين التطيّب وبين وجود أثر الطيب
فَرْقٌ بين أن يتطيّب الإنسان بعد إحرامه ودخوله في النُّسُك ، وبين أن يَجِد أثر الطيب بعد ذلك ، أو يشمّ رائحته .
فالأول مممنوع ، والثاني لا بأس به .
ويَدلّ على الأول أمره صلى الله عليه وسلم للمُحرِم أن يغسل عنه أثر الطيب .
ففي الصحيحين من حديث يَعْلَى بن أمية مرفوعاً : اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ، وانزع عنك الْجُبَّة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك .
زاد البخاري : قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال : نعم .
أما شمّ الطيب من غير قصد ، أو وُجود أثر الطيب ، فهذا لا يضرّ .
قالت عائشة : كأني أنظر إلى وَبِيصِ الطِّيب في مَفرق النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِم . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُحْرِم يتطيّب بأطيب ما يَجِد ، ثم أرى وَبيص الدُّهن في رأسه ولحيته بعد ذلك .
ولذلك لم يأتِ منع الْمُحرِم من شُرب ما كان طيب الرائحة ، ولا مِن وَضْعِه في أكله ، مع كونه نُهي عنه في لباسه .
قال النووي في ذلك : ومنها ما يُطْلَبُ للأكل أو للتداوي غالبا ، كالقرنفل والدارصيني والفلفل والمصطكى والسنبل وسائر الفواكه ، كل هذا وشبهه ليس بِطِيب ، فيجوز أكله وشَمّه وصبغ الثوب به ، ولا فِدية فيه سواء قليلة وكثيره ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا القرنفل ...
ثم قال : الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه ليس بِطيب - والله أعلم - .
قال : ومنها ما يَنبت بنفسه ولا يُراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح والمشمش والكمثرى والسفرجل وكالشيح والقيصوم وشقائق النعمان والإذخر والخزامى ، وسائر أزهار البراري ، فكل هذا ليس بطيب ، فيجوز أكله وشَمّه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه بلا خلاف . اهـ .
والذي يظهر أن الزعفران في الأكل والشرب لا يُعتبر طيبا ولا يُراد به التطيّب ، بِقدر ما يُراد به طِيب نكهة الأكل والشراب .
قال النووي : ولو عَبَقَتْ رائحة الطيب دون عَينه ، بأن جلس في دكان عطار ، أو عند الكعبة وهي تُبَخَّر ، أو في بيت يُبَخَّر ساكنوه ؛ فلا فدية بلا خلاف ، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة لم يكره . اهـ .

19= المقصود بالمخيط :
المقصود به ما كان يُلبس على البدن والأعضاء بِقَدْرِها .
قال ابن قدامة في شرح هذا الحديث : نَصّ النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأشياء ، وألْحَقَ بها أهل العلم ما في معناها مثل الجبة والدراعة والثياب وأشباه ذلك .
فليس للمحرم ستر بدنه بما عمل على قَدْرِه ، ولا ستر عضو من أعضائه بما عُمِل على قَدْرِه كالقميص للبدن، والسراويل لبعض البدن ، والقفازين لليدين ، والْخُفّين للرِّجْلِين ونحو ذلك .
وليس في هذا كله اختلاف .
قال ابن عبد البر : لا يجوز لباس شيء من المخيط عند جميع أهل العلم ، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون النساء . اهـ .

20= يشتهر عند بعض الناس أن المراد بذلك كل مَخيط ، وهذا غير مُراد ولا وارد في النصوص .
ويُروى أن أول من نَصّ على المخيط بالنسبة للمحرِم هو إبراهيم النخعي ، وهو من علماء التابعين .
فللمُحْرِم أن يلبس ما فيه خياط كالنعال والأحزمة وليس في هذا محذور .

21= لو اشتمل بالمخيط .. بمعنى استعمل الثياب أو السراويل من غير لبس ، كأن يَتَّزِر بالثوب أو بالسراويل
فليس في هذا محذور .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : يجوز أن يَلْبَس كل ما كان من جنس الإزار و الرداء ، فَلَه أن يلتحف بالقباء والْجُبّة و القميص و نحو ذلك ، ويَتَغَطّى به باتفاق الأئمة عَرْضاً ، ويلبسه مقلوبا يجعل أسفله أعلاه ، ويتغطى باللحاف وغيره ، ولكن لا يُغَطِّي رأسه إلا لحاجة ، والنبىي صلى الله عليه وسلم نَهَى المحرِم أن يلبس القميص و البرنس و السراويل و الخف و العمامة ، ونهاهم أن يُغَطُّوا رأس المحرم بعد الموت .

22= هل يَقطع النعلين ؟
جمهور أهل العلم على أن الْمُحرِم الذي لا يَجِد النعلين يلبس الخفيّن بعد قطعهما أسفل الكعبين .
قال ابن عبد البر : وقال أكثر أهل العلم : إذا لم يَجِد الْمُحْرِم نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين . اهـ .

23= هل للمرأة لبس الجوارب وما في معناها ؟
قال ابن عبد البر : وأجمعوا أن المراد بهذا الخطاب في اللباس المذكور الرجال دون النساء ، وأنه لا بأس للمرأة بلباس القميص والدِّرع والسراويل والْخُمُر والْخِفَاف . اهـ .

24= ما صُبِغ بما الورد أو بالزعفران أو كان مُطيّبا حَرُم على الْمُحرِم استعماله والجلوس عليه .
قال ابن عبد البر : فكل ما صُبِغَ بزعفران أو ورس أو غمس في ماء ورد أو بُخِّرَ بِعُود فليس للمُحْرِم لِبسه ولا الجلوس عليه ولا النوم عليه . نَصّ أحمد عليه وذلك لأنه استعمال له . اهـ .

25= تعظيم شعائر الله في اجتناب المحظورات حال الإحرام .

26= حرص السَّلَف على أداء الحج رغم قِلّة ذات اليد .. فبعضهم لا يَجِد نعلين ، وبعضهم لا يَجِد سراويل ومع ذلك ما كانوا يتخلّفون عن الحجّ بمثل أعذار أهل هذا الزمان !

27= لو لبس الجِزم أو الجوارب لِحاجة ، جاز له ذلك وعليه فِدية أذى ، يُخيَّر فيها بين أحد ثلاثة أمور :
1 – صيام ثلاثة أيام .
2 – إطعام سِتة مساكين .
3 – ذبح شاة تُوزّع على فقراء الحرم .
وهذه الثلاث دَلّ عليها حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه ، وهو مُخرّج في الصحيحين – وسيأتي – .

28= في حديث ابن عباس وَرَد ذِكر " عرفات "
قال ابن الملقِّن : قِيل سُمِّيتْ بذلك :
1 – لأن آدم عرف حواء هناك
2 – لأن جبريل عرّف إبراهيم المناسك هناك
3 – لوجود الجبال ، والجبال هي الأعراف .
4 – لأن الناس يعترفون بذنوبهم فيها .

29= تُقطَع الْخِفاف دون السراويل .

30= لو استطاع الاتِّزار بالسراويل لزِمه ذلك ، ولا فِدية عليه .
وكذلك لو اتَّزَر بِثوب ، فلا فِدية عليه ،لأن المحذور في المذكورات أن تُلبس على هيئتها التي اعتاد الناس لبسها عليه .

31= التنبيه على ما تساهل فيه بعض من الناس من لبس ما يُشبه لباس النساء ( التنّورة ) وهو ما خِيط على هيئة إزار بمطاط في أعلاه ، بل وفي بعضها جيوب جانبية !
فهذا من المخيط ، وهو نوع من لباس العرب قديما يُسمّى ( النقبة ) ..
قال في لسان العرب : الـنُّقْبَـة : وهو السراويل بلا رجلين . اهـ .
ولشيخنا الشيخ إبراهيم الصبيحي – حفظه الله – مطوية في التنبيه على هذا اللباس .
فهو

من لباس العرب قديما ..
ومن لبسه لزِمته الفدية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و ليس له أن يلبس القميص لا بِكُم و لا بغير كُم ، وسواء أدخل فيه يديه أو لم يدخلهما ، وسواء كان سليما أو مخروقا ، وكذلك لا يلبس الجبة ولا القباء الذي يدخل يديه فيه ، وكذلك الدرع الذي يسمى " عرق جين " وأمثال ذلك باتفاق الأئمة .
وأما إذا طرح القباء على كتفيه من غير إدخال يديه ففيه نزاع ، وهذا معنى قول الفقهاء : لا يلبس ، والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو ، وكذلك لا يلبس ما كان في معنى الخف كالموق و الجورب نحو ذلك ، ولا يلبس ما كان في معنى السراويل كالتُّبّان و نحوه ، وله أن يعقد ما يحتاج إلى عقده كالإزار و هميان النفقة ... . اهـ .

32= في بعض طبعات العمدة زِيدَ في حديث ابن عباس : ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل [ أي ] للمُحْرِم
وهذه الزيادة ليست في الصحيح .
قال ابن حجر : في حديث ابن عباس : " ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم " أي هذا الْحُكم للمُحْرِم لا الْحَلال ، فلا يتوقف جواز لبسه السراويل على فقد الإزار . اهـ .

والله تعالى أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 11:44 am




الحديث الـ 232

صِفة التلبية ووقتها


عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ, إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ ، لا شَرِيكَ لَكَ .
قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَزِيدُ فِيهَا : " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ , وَسَعْدَيْكَ , وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ , وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ .

في الحديث مسائل :

1= أول الحديث مُتّفق عليه ، رواه البخاري ومسلم ، وأما الزيادة فهي من أفراد مُسلم .

2= في رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اسْتَوَتْ به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهَلّ ، فقال : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
قالوا : وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول : هذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال نافع : كان عبد الله رضي الله عنه يزيد مع هذا : لبيك لبيك وسعديك ، والخير بيديك لبيك ، والرغباء إليك والعمل .

3= في حديث جابر في صِفة حجه عليه الصلاة والسلام : وأهَلّ الناس بهذا الذي يُهِلّون به ، فلم يَرُدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه .
مِن هذا الإهلال ما جاء عن ابن عمر وغيره من مثل هذه الزيادة .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : فيه إشارة إلى ما رُوي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذِّكْر ، كما روي في ذلك عن عمر رضي الله عنه أنه كان يزيد : لبيك ذا النعماء والفضل الْحَسَن ، لبيك مرهوبا منك ، ومرغوبا إليك . وعن ابن عمر رضي الله عنه : لبيك وسعديك والخير بيديك ، والرغباء إليك والعمل . وعن أنس رضي الله عنه : لبيك حقا تعبدا ورِقًّا . قال القاضي : قال أكثر العلماء : المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبه قال مالك والشافعي . [ نقله النووي ] .

4= معنى " لبيك " :
1 – أي إجابة لك بعد إجابة .
2 – اتِّجاهي وقصدي إليك .
3 – إخلاصي لك .
4 – مُقيم على طاعتك .

5= معنى " سَعْدَيْك " :
1 – أسعِدْنا سعادة بعد سعادة .
2 – مُساعدة لِطاعتك بعد مُساعَدة . [ ذَكَر ذلك كله ابن الملقِّن ] .

6= السُّـنَّة رفع الصوت بالتلبية بالنسبة للرِّجال .
عن أنس رضي الله عنه قال : صَلَّى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، وسمعتهم يصرخون بهما جميعا . رواه البخاري .
قال ابن حجر : قوله : " وسمعتهم يَصرخون بهما جميعا " أي بالحج والعمرة ، ومراد أنس بذلك من نَوى منهم القِران ، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع : أي بعضهم بالحج ، وبعضهم بالعمرة ، قاله الكرماني . ويُشْكِل عليه قوله في الطريق الأخرى ، يقول : لبيك بحجة وعمرة معا . اهـ .
وفي رواية للبخاري : قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى اسْتَوتْ به على البيداء حَمِد الله وسَبّح وكَبّر ، ثم أهَلّ بِحَج وعمرة ، وأهل الناس بهما .

وروى بن أبي شيبة عن بكر بن عبد الله المزني قال : كنت مع ابن عمر فَلَبّى حتى أسْمَعَ ما بين الجبلين .
قال ابن حجر : إسناده صحيح .
وأخرج أيضا من طريق المطلب بن عبد الله قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تُبَحّ أصواتهم . قال ابن حجر : إسناده صحيح .
وروى أيضا من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاءني جبريل فقال مُرْ أصحابك يرفعوا بالتلبية ، فإنها شِعار الحج .
وروى أيضا من طريق المسيب بن رافع قال : كان ابن الزبير يقول : التلبية زينة الحج .

قال ابن عبد البر :
وكان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية .
وقال ابن عباس : هي زينة الحاجّ .
وقال أبو حازم : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الرّوحاء حتى تُبَحّ حلوقهم من التلبية .
وأجمع أهل العلم أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها ، وإنما عليها أن تُسْمِع نفسها ، فَخَرَجَتْ من جملة ظاهر الحديث ، وخُصَّتْ بذلك ، وبَقِي الحديث في الرجال ...
ذَكَر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم قال : كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية ، فلا يأت الروحاء حتى يَصْحَل صوته .
قال الخليل : صحل صوته يصحل صحلا ، فهو أصحل ، إذا كانت فيه بُحّـة اهـ .

7= متى يُلبي الحاج أو المعتمر ؟
في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : أهَلّ النبي صلى الله عليه وسلم حين اسْتَوتْ به راحلته قائمة .
وفي رواية : كان بن عمر رضي الله عنهما إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمَرَ براحلته فَرُحِّلَتْ ، ثم ركب فإذا اسْتَوتْ به استقبل القبلة قائما ثم يُلَبِّي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك .
وفي صحيح مسلم عن سالم قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له الإحرام من البيداء . قال : البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ما أهَلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة ، حين قام به بعيره .

وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته . رواه البخاري .
وعند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه في صِفة حجه عليه الصلاة والسلام : ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نَظَرْتُ إلى مَدّ بصري بين يديه من راكبٍ وماشٍ ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه يَنْزِل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عَمِلَ به من شيء عَمِلْنَا به ، فأهَلّ بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . وأهَلّ الناس بهذا الذي يُهِلّون به ، فلم يَرُدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما : فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهَلّ هو وأصحابه . رواه البخاري ومسلم .
وكذلك في حديث أنس رضي الله عنه : ثم ركب حتى اسْتَوتْ به على البيداء حَمِد الله وسَبّح وكَبّر ، ثم أهَلّ
وفي رواية عنه رضي الله عنه : فلما أصبح ركب راحلته ، فجعل يُهَلِّل ويُسبح ، فلما علا على البيداء لَـبّى بهما جميعا .

قال ابن حجر : وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله - فَذَكَرَ الحديث - وفيه : فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجَبَ من مجلسه ، فأهَلّ بالحج حين فرغ منها ، فَسَمِع منه قوم فحفظوه ، ثم رَكِبَ فلما اسْتَقَلَّتْ به راحلته أهَلّ ، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك ، فقالوا : إنما أهَلّ حين اسْتَقَلَّتْ به راحلته ، ثم مضى فلما عَلا شَرَف البيداء أهَلّ ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه ، فَنَقَلَ كل أحدٍ ما سَمِع ، وإنما كان إهلاله في مصلاه - وأيم الله - ثم أهَلّ ثانيا وثالثا . وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة . فَعَلَى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يَخُصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء . وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك ، وإنما الخلاف في الأفضل . اهـ .

8= متى يَقطع التلبية ؟
قال الإمام أحمد : يقطع المعتَمِر التلبية إذا استلم الركن .
قال ابن قدامة في المغني : وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي . وقال ابن عمر وعروة والحسن : يقطعها إذا دخل الحرم .
وحُكِي عن مالك أنه إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم ، وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت .
قال : ولنا ما روي عن ابن عباس - يرفع الحديث - كان يُمْسِك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عُمَر ، ولم يزل يُلَبّي حتى استلم الحجر .
ولأن التلبية إجابة على العبادة ، وإشعار للإقامة عليها ، وإنما يتركها إذا شَرَعَ فيما ينافيها ، وهو التحلل منها، والتحلل يحصل بالطواف والسعي ، فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل ، فينبغي أن يقطع التلبية ، كالحج إذا شَرَع في رمي جمرة العقبة لحصول التحلل بها ، أما قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها . والله أعلم . اهـ .

قال ابن عبد البر : اخْتَلَف العلماء في قطع التلبية في العمرة .
فقال مالك - ما ذكره في موطئه على ما ذكرناه - وأضاف قوله ذلك إلى ابن عمر وعروة بن الزبير .
وقال الشافعي : يقطع المعتمر التلبية في العمرة إذا افتتح الطواف .
وقال مرة : يُلَبِّي المعتمر حتى يستلم الركن وهو شيء واحد .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يزال المعتمر يلبي حتى يفتتح الطواف .
قال أبو عمر : لأن التلبية استجابة لما ذكر إليه فرضا أو ندبا ، فإذا وصل إلى البيت قَطَع الاستجابة . والله أعلم . وهؤلاء كلهم لا يُفَرِّقُون بين الْمُهِلّ بالعمرة بعيد أو قريب . اهـ .
هذا بالنسبة لتلبية القادِم للحج أو العمرة .

9= قوله : " وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ " ، أي : بِيَدِك الخير كلّه .
كما في قوله تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
وكما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : لبيك وسعديك ، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك . رواه مسلم من حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال ... –فَذَكَرَه – .
وأهل السنة يُثبِتون بمثل هذه النصوص صِفة " اليَد " لله عَزّ وجَلّ .

10= معنى " والرغباء إليك " :
قال النووي :
قال القاضي : قال المازري : يُرْوى بفتح الراء والمد ، وبضم الراء مع القصر ، ونظيره العلا والعلياء ، والنعمى والنعماء . قال القاضي : وحَكَى أبو علي فيه أيضا الفتح مع القصر الرَّغْبَى مثل سَكْرَى ، ومعناه هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير ، وهو المقصود بالعمل الْمُسْتَحِقّ للعبادة . اهـ .

والله تعالى أعلم .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 1:31 pm


الحديث الـ 233
  
في اشتراط الْمَحْرَم لِسَفر المرأه


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلاَّ وَمَعَهَا حُرْمَـةٌ .
وَفِي لَفْظِ للْبُخَارِيِّ : أن تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وليلة إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ .

في الحديث مسائل :

1= لو أورَد المصنِّف رحمه الله حديث ابن عباس لكان أولى لعدّة اعتبارات :
الأول : أنه عام ليس فيه تحديد أيام ولا مسيرة .
الثاني : كونه نَصّ في الحجّ .
الثالث : أنه لم يأذن للرَّجُل أن يَخرج للغزو ويترك زوجته تخرج للحج من غير مَحرَم .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : لا يَخْلُونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم . فقام رجل فقال : يا رسول الله إن امرأتي خَرَجَتْ حَاجَّة ، وأني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا . قال : انطلق فَحُجّ مع امرأتك . رواه البخاري ومسلم واللفظ له .
وبّوب عليه الإمام البخاري : باب حج النساء .
ثم روى بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تُسَافِر المرأة إلا مع ذي محرم ، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم . فقال رجل : يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا ، وامرأتي تريد الحج . فقال : اخرج معها .

2= لا مفهوم للعدد في هذه الأحاديث .
لأنه جاء في بعضها : مسيرة يوم وليلة .
وفي بعضها : مَسِيرَة يَوْمٍ .
وفي بعضها : مسيرة ليلة .
وفي بعضها : لا تسافر المرأة يومين من الدهر .
وفي بعضها : سفرا فوق ثلاثة أيام .
وفي بعضها : مسيرة ثلاث ليال .
وفي بعضها : بريداً .
قال الإمام النووي :
قال العلماء : اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين ، واختلاف المواطن ، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد .
قال البيهقي كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تُسافر ثلاثا بغير محرم ، فقال : لا . وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم ، فقال : لا . وسُئل عن سفرها يوما ، فقال : لا . وكذلك البريد ، فأدّى كل منهم ما سمعه ، وما جاء منها مختلفا عن رواية واحد فَسَمِعَه في مواطن ، فروى تارة هذا وتارة هذا ، وكله صحيح ، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر ، ولم يُرِد صلى الله عليه وسلم تحديد أقلّ ما يُسَمَّى سفرا ، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا تُنْهَى عنه المرأة بغير زوج أو محرم ، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك ، لرواية بن عباس الْمُطْلَقَة ، وهي آخر روايات مسلم السابقة : " لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا . والله أعلم . اهـ .

3= قوله رحمه الله : " وَفِي لَفْظِ للْبُخَارِيِّ : أن تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وليلة إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ "
الذي في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : " أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة "
ولعله أراد في لفظ لِمسلم ، فإنه عنده بِلفظ : " تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم "

4= هل وُجود الْمَحْرَم شرط وُجوب أو شرط صِحّـة ؟
هو شرط وُجوب ، فلا يَجب على المرأة الحج إلا إذا وُجِد الْمَحْرَم أو الزوج .
فإن حَجَّتْ بغير مَحرَم فهي عاصية وحجّها صحيح .
ولو ماتت المرأة ولم تَحُجّ لِعدم توفّر الْمَحْرَم فإنها تلقى الله بغير إثم فيما يتعلّق بالحج . بِخلاف ما لو حَجَّتْ من غير مَحرَم فإنها تلقى الله عاصية بسفرها ذلك .

5= مَن هو الْمَحْرَم ؟
هو الزوج ومَن يَحرُم على المرأة على التأبيد ، أي لا يَحِلّ له نكاحها أبداً .
أما زوج الأخت ، أو أخو الزوج ، فلا يكون مَحْرَماً ، لأنه يَحرم إلى أمَد ، وليس إلى الأبد .

6= شَرط الْمَحْرَم :
أن يكون عاقلا بالغاً .
قال ابن قدامة في المغني : ويُشْتَرَط في الْمَحْرَم أن يكون بالغا عاقلا . قيل لأحمد : فيكون الصبي مَحْرَماً ؟ قال: لا حتى يحتلم . لأنه لا يَقوم بنفسه ، فكيف يَخْرُج مع امرأة ، وذلك لأن المقصود بالْمَحْرَم حِفْظ المرأة ، ولا يحصل إلا من البالغ العاقل فاعتُبر ذلك . اهـ .

7= قوله : " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " إنما يُربَط مثل ذلك بالإيمان باليوم الآخر لأنه يوم الجزاء والحساب .
فإن الوليّ في الدنيا قد يَتساهل أو يُقصِّر ، أو لا يُوجَد وليّ ، فالتي تؤمن بالله واليوم الآخر ، والتي تَرجو لقاء الله ، فلا تُسافِر إلا مع ذي مَحْرَم .
لأنها إذا سافَرَتْ من غير مَحرَم كانت عاصية آثمة ، ولو كان ذلك لأداء فريضة الله التي فَرَض الله على عباده وإذا كانت عاصية فإنها تُعرِّض نفسها للعقوبة في اليوم الآخر ( يوم القيامة ) .

8= التنبيه على سَفَر النساء لأغراض دنيوية .
إذا كان لا يجوز للمرأة أن تُسافِر لأداء فريضة الحج ، فغيرها أولى بالتحريم ، بل وأشد في الإثم .
فالمرأة التي تريد الحج لا يُؤذَن لها إلا مع وُجود مَحْرَم ، فكيف إذا كان سَفرها لِغرض دُنيوي ؟
وكيف إذا كان سفرها يُصاحِبه خلوة بسائق أجنبي ؟
لا شك أن الإثم فيه أعظَم .
وقد سألتني فتاة مؤمنة – أحسبها كذلك – عن سَفَرِها لأجل الوظيفة ، وهي تُسافِر مع مجموعة من النساء ، فأفتيتها بالتحريم . فعَلِمتُ أنها تَرَكتْ ذلك لله ، فعوّضها الله بوظيفة أخرى في بلدها بعد فترة قصيرة .

9= قوله : " وَمَعَهَا حُرْمَـةٌ " المقصود به الْمَحْرَم .
ففي رواية لمسلم : إلاّ ومعها رجل ذو حُرمة منها .

10= لا يُعارَض هذا الحديث بِفعل الصحابي .
قال الإمام البخاري : وقال لي أحمد بن محمد : حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده أذِن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها ، فَبَعَثَ معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف .
وهذا فيه أمور :
أولاً : كونه فِعل صحابي ، وفِعل الصحابي لا حُجّة فيه إذا خالَف النصّ ، أو خالَفَه غيره ، وقد امتَنَعت سَودة رضي الله عنها فإنها لم تَخْرُج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه في حجة الوداع : هذه ، ثم ظُهور الْحُصُر . رواه الإمام أحمد وأبو داود .
الثاني : أن عمر رضي الله عنه فَعَل هذا بأمهات المؤمنين خاصة ، لأنهن بمنْزِلة الأمهات ، وبَعَثَ معهنّ رجلين من خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
الثالث : أن عمر رضي الله عنه لم يأذن فيه لغير أمهات المؤمنين ، فلم يُعرَف عنه الترخّص في ذلك لغير أمهات المؤمنين .
الرابع : احتياط عمر رضي الله عنه مع ذلك .
وكان عثمان يُنادي : ألا لا يَدْنُو أحد منهن ، ولا ينظر إليهن وهُنّ في الهوادج على الإبل ، فإذا نَزَلْنَ أنْزَلَهن بصدر الشِّعب ، فلم يصعد إليهن أحد ، ونزل عبد الرحمن وعثمان بِذَنَبِ الشِّعب . وفي رواية لابن سعد : فكان عثمان يسير أمامهن ، وعبد الرحمن خلفهن . [ أفاده ابن حجر ] .

11= هل يجوز أن تَحُجّ المرأة مع جماعة من النساء ؟
الجواب :
لا يجوز لهن ذلك إذا احتاج الحج لِسَفَر .
أما إذا كان لا يَحتاج إلى سَفَر – كأهل مكة – فيجوز لهن الخروج بشرط عدم الخلوة بأجنبي ، وأن يَكُنّ مجموعة من النساء .
ومع ذلك فَوجود الْمَحْرَم فيه حماية للمرأة ومصلحة لها ، ولو كان ذلك في الطواف .

روى وكيع في أخبار القُضَاة من طريق السندي بن شاهك قال : كنت قائماً على رأس المنصور وعنده الحسن بن عمارة ، فقال المنصور له : تَحَدَّث ? فقال : حدثني أبو أمير المؤمنين أنه حج مع أبيه عام حج عبد الملك بن مروان فإذا امرأة تطوف قد فَرَقَتِ النساء ، فَسَمَتْ إليها عيون الناس ، فلحق بها عمر ابن أبي ربيعة وأخبرها أنه عمر ، وأنه قد خامر قلبه منها شيء ! فزجرته فلم يَنْزَجر ، فقالتْ لِوَلِيّ لها : اخْرُج معي إذا خرجت من المسجد، فلما رآها عمر حَادَ عنها ، فأنشدت تسمعه :
تعدوا الذئاب على من لا كلاب له = وتتقي حوزة المستدفئ الحامـي
فقال المنصور : قد سمعت هذا من أبي ، ووددت أن ذوات الخدور جميعاً تسمعنه !

والله تعالى أعلم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 1:34 pm


الحديث الـ 234

في فِدية الأذى




بابُ الفِدْيَةِ

ح 234
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ : جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ . فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْفِدْيَةِ ؟ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي خَاصَّةً . وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً . حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي . فَقَالَ : مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى – أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى – أَتَجِدُ شَاةً ؟ فَقُلْتُ : لا . فَقَالَ : صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ , أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ , لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ , أَوْ يُهْدِيَ شَاةً , أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ .

في الحديث مسائل :

1= قوله : " بابُ الفِدْيَةِ " المقصود بها فِدية خاصة ، وهي ما يُسميها العلماء " فِدية أذى " .
والأصل فيها قوله تعالى : (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) .

2= ما جاء في هذه الفِدية على التخيير ، لِما جاء في الآية السابقة .
وفي رواية للبخاري : قال : لعلك آذاك هوامك ؟ قال : نعم يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احلق رأسك ، وصُم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك بشاة .
فـ ( أو ) تُفيد التخيير .

3= كان ذلك عام الحديبية .
ففي رواية للبخاري ومسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وأنه يسقط على وجهه القمل ، فقال : أيؤذيك هوامك ؟ قال : نعم . فأمَرَه أن يَحْلِق وهو بالحديبية ، ولم يتبين لهم أنهم يُحِلّون بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطعم فَرَقَا بين ستة ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام .
وما فائدة معرفة ذلك ؟
فائدة معرفة كون ذك عام الحديبية ما يترتّب عليه من كون ذلك في عُمرة ، ثم كون كعب رضي الله عنه خارج حدود الحرم ، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية ولم يأمره أن تكون في الحرم .

4= وُجوب الفدية في فِعل محظور ، سواء كان ذلك في الحج أو في العمرة .

5= قوله : " حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي " .
في رواية لمسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم مَـرّ بِهِ وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة ، وهو محرم ، وهو يُوقِد تحت قِدْر ، والقمل يتهافتْ على وجهه ، فقال : أيؤذيك هوامك هذه ؟ قال : نعم .. الحديث .
قال العيني في عمدة القارئ : وفي لفظ له : " حُمِلْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي لفظ : " وَقَفَ عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية " وفي لفظ : " إنه صلى الله عليه وسلم رآه وأنه يَسْقُط على وجهه " وفي لفظ : " مَـرّ بِي النبي صلى الله عليه وسلم " وفي لفظ لمسلم قال : " فأتيته " قال : " أدْنُه " وفي لفظ له : مَـرّ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم " فإن قلت : ما الجمع بين اختلاف هذه الروايات والقصة واحدة ؟ قلت : لا تعارض في شيء من ذلك ؛ أما لفظ " لعلك آذاك " فَسَاكِت عن قيد ، وأما بقية الألفاظ فوجهها أنه مَرَّ به وهو محرم في أول الأمر ، وسأله عن ذلك ، ثم حُمِل إليه ثانيا بإرساله إليه ، وأما إتيانه فَبَعْد الإرسال ، وأما رُؤيته إياه فلا بُدّ منها في الكل . اهـ .

6= العِبرة بِعموم اللفظ لا بِخصوص السبب .
قال رضي الله عنه : نَزَلَتْ فِي خَاصَّةً . وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً .

7= هذه الفدية في كل محظور من محظورات الإحرام عدا الجماع ، فإن كفارته مُغلّظة .
فإن فَعَل شيئا من المحظورات لِحاجة سَقَط الإثم ولَزِمَتْه الفِدية .
وإن فَعله لغير حاجة أثِمَ ولَزِمَتْه الفِدية .

فلو تَطيّب الْمُحرِم ، أو حَلَق شعر رأسه ، أو لبس الثياب ، أو غطَى رأسه ، فإنه تلزمه الكفارة ، وهو مُخيَّر فيها بين الثلاث الواردة في حديث الباب .

8= لو فَعَل شيئا من محظورات الإحرام ناسياً . فهل تلزمه فِدية ؟
المسألة مَحلّ خِلاف .
قال القاضي عياض : ومُعظَم العلماء على وُجوب الدم على الناسي .
وفَرّق العلماء بين محظورات الإحرام في النسيان .
قال ابن قدامة : المشهور في المذاهب أن المتطيّب أو اللابِس ناسيا أو جاهلا لا فِدية عليه ، وهو مذهب عطاء والثوري وإسحاق وابن المنذر .
وقال أحمد : قال سفيان : ثلاثة في الجهل والنسيان سواء : إذا أتى أهله ، وإذا أصاب صيدا ، وإذا حلق رأسه
قال أحمد : وإذا جامع أهله بَطَل حَجّه . لأنه شيء لا يقدر على رَدِّه . والصيد إذا قَتَلَه فقد ذهب لا يقدر على رده ، والشَّعر إذا حلقه فقد ذهب .
فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء ، وكل شيء من النسيان بعد الثلاثة فهو يَقْدِر على رَدّه ، مثل إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر ألقاه عن رأسه
وليس عليه شيء
أو لبس خفا نزعه وليس عليه شيء وعنه رواية أخرى أن عليه الفدية في كل حال وهو مذهب مالك والليث والثوري وأبي حنيفة ؛ لأنه هَتَك حُرْمَة الإحرام . فاستوى عمده وسهوه كحلق الشعر وتقليم الأطفار .
ولنا عموم قوله عليه السلام : عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه . وروى يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جُـبّة ، وعليه أثر خَلُوق - أو قال أثر صُفرة - فقال : يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ قال : اخلع عنك هذه الْجُـبّة ، واغسل عنك أثر هذا الخلوق - أو قال أثر الصفرة - واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك . متفق عليه
وفي لفظ : قال : يا رسول الله أحرمت بالعمرة وعليّ هذه الجبة . فلم يأمره بالفدية مع مسألته عما يَصْنَع ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز إجماعا .
دَلّ على أنه عُذر لجهله ، والجاهل والناسي واحد .
ولأن الحج عبادة يجب بإفسادها الكفارة ، فكان من محظوراته أنه ما يُفَرّق بين عمده وسهوه ، كالصوم ، فأما الحلق وقتل الصيد فهو إتلاف لا يمكن رَدّ تَلافِيه بإزالته .
إذا ثبت هذا فإن الناسي مَتَى ذَكَر فعليه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال ، فإن أخَّرَ ذلك عن زمن الإمكان فعليه الفدية . اهـ .

وقال النووي : إذا فَعَل الْمُحْرِم محظورا من محظورات الإحرام ناسيا أو جاهلا ، فإن كان إتلافا كقتل الصيد والْحَلْق والقَلْم ، فالمذهب وجوب الفدية ، وفيه خلاف ضعيف سبق بيانه ، وإن كان استمتاعا مَحْضاً كالطيب واللباس ودَهن الرأس واللحية والقُبلة واللمس وسائر المباشَرَات بالشهوة - ما عدا الجماع - فلا فدية ، وإن كان جماعا فلا فدية في الأصح . والله أعلم .
وقال : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا لَبِس أو تطيّب ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه فلا فدية ، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود .
وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد - في أصح الروايتين عنه - عليه الفدية ، وقَاسُوه على قتل الصيد . ودليلنا ما ذَكَره المصنف . والفرق أن قتل الصيد إتلاف وأما إذا وطىء ناسيا أو جاهلا ، فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يفسد نسكه ، ولا كفارة . وقال مالك وأبو حنيفة : يفسد ويلزمه القضاء والكفارة . اهـ .

9= لو رَكِب حاج أو مُعتَمِر طائرة ولم يَكن معه ملابس للإحرام ، فإنه إذا حاذى الميقات يُلبِّي ، ويتخفّف من الملابس ما استطاع ، فيُزيل غطاء الرأس ، والجوارب – إذا كان رجلا – والثوب ونحوه من غير كشف للعورة ، فإنه إذا فَعَل ذلك كان مُخيَّراً بين ثلاث ، وهي كفارة الأذى الواردة في هذا الحديث .
أما إذا أخَّـر الإحرام إلى المطار – وكان جاوز الميقات – فإنه يلْزَمه دم ( ذبح شاة ) توزّع على فقراء الحرم

10= قوله : " فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ " أي بين سِتّة مساكين .
والْفَرَق : ثلاثة آصع .
يعني يُفرِّق ثلاثة أصواع بين ستة مساكين ، فيكون لِكلّ مسكين نِصف صاع .

11= اختُلِف في الإطعام والذبح . هل يكون في الْحَرَم أو يجوز في غيره ؟
وهل يُذبَح في الْحِلّ ويُوزّع في الْحَرَم ؟
ليس في المسألة نَصّ ، إلا ما كان في جزاء الصيد ، فإنه منصوص عليه في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) .
قال القرطبي في التفسير : اخْتَلَف العلماء في موضع الفدية المذكورة ؛ فقال عطاء : ما كان من دم فَبِمَكّة ، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي . وعن الحسن أن الدم بمكة .
وقال طاووس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء ، لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم . وقد قال الله سبحانه (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) رِفقاً لمساكين جيران بيته ، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام. والله أعلم .
وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء . وهو الصحيح من القول ، وهو قول مجاهد . والذبح هنا عند مالك نُسُك وليس بهدي لِنَصّ القرآن والسنة ، والنُّسك يكون حيث شاء ، والهدي لا يكون إلا بمكة، ومن حُجّته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه ، وفيه : فأمَرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين - فَحُلِق ، ثم نَسَك عنه بالسّقيا ، فنحر عنه بعيرا . قال مالك : قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خَرَج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة .
ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة .
وجائز عند مالك في الهدي إذا نُحِرَ في الحرم أن يُعْطَاه غير أهل الحرم ، لأن الـبُغية فيه إطعام مساكين المسلمين .
قال مالك : ولما جاز الصوم أن يُؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم .
ثم أن قوله تعالى : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) الآية . أوضح الدلالة على ما قلناه ، فإنه تعالى لما قال : (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) لم يَقُل في موضع دون موضع ، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه .
وقال : (أَوْ نُسُكٍ) فَسَمّى ما يُذبح نُسُكاً ، وقد سَمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ، ولم يُسَمِّه هَدياً، فلا يلزمنا أن نَرُدّه قياسا على الهدي ، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ .
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمَرَ كَعْباً بالفدية ما كان في الحرم ، فَصَحّ أن ذلك كله يكون خارج الحرم . وقد رُوي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد . اهـ .
وبِنحو هذا قال ابن عبد البر في الاستذكار .

وهذه أدلة قوية على أن الإطعام أو الدم إذا كان دم جُبران ، فإنه لا يَجب أن يكون بِمكّة .
إذ الوجوب مُتوقّف على الدليل ، ولا دليل خاص في المسألة .
والأدلة والتعليلات التي ذكروها قوية جدا .
وإلزام الناس بأمرٍ تَعبّدي ليس فيه دليل صحيح صريح فيه مَشَقّة على الناس ، وإيجاب ما ليس بِواجِب .

12= نَصّ العلماء على أن كفارة الأذى لا بُدّ فيها من تمليك المساكين .
قال القرطبي في التفسير : ولا يجزى أن يُغَدِّي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يُعْطِي كل مسكين مُدَّين بِمُدِّ النبي صلى الله عليه وسلم . وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن . اهـ .

13= الشاة والإطعام في الفِدية لا يجوز أن يأكل منها صاحبها ، بِخلاف الهدي والأضاحي .

14= فائدة :
قوله صلى الله عليه وسلم : " مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى – أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى " قال ابن الملقِّن : " أُرى " الأولى والثالثة ، بِضمّ الهمزة ، أي أظُنّ . والثانية والرابعة بِفتحها ، أي أُشاهِد ببصري ، فهو من رؤية العين .
والله تعالى أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)   الخميس أبريل 17, 2014 1:42 pm




الحديث الـ 235

في حُرمة مكة




بابُ حرمة مكةَ

عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو - الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ رضي الله عنه : أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ , حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ : أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى , وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ . فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً , وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ , وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ .
فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ : مَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِياً , وَلا فَارَّاً بِدَمٍ ، وَلا فَارَّاً بِخَرْبَةٍ .
الخَرَبَة : بالخاء المعجمة والراء المهملة . قيل: الخيانة ، وقيل: البليَّة ، وقيل : التهمة . وأصله من سرقة الإبل. قال الشاعر :
الخارِب اللِّصّ يُحِبّ الخارِبا .

في الحديث مسائل :

1= قوله : " باب حُرمة مكة " أي تحريمها وتعظيم حُرمتها ، وذلك لوجود الْحَرم فيها ، وهذا تشريف لهذا البلد الأمين .
فإن الله أقسَم به (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) ، (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) ، وحَرَّمَـه ، كما في حديث الباب .
وإن كان تحريم مكة يوم خَلَق الله السماوات والأرض تعظيما لها ، وتنبيها لشأنها .

2= تعظيم الحرم ، فالسيئة تَعظُم فيه ، بل نصّ العلماء على أن نيَّـة المعصية فيه تُكتب معصية ، لقوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)
قال القرطبي في التفسير :
والإلحاد في اللغة الميل ، إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد .
واخْتُلِف في الظلم ؛ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قال : الشرك .
وقال عطاء : الشرك والقتل .
وقيل : معناه صيد حمامه ، وقطع شَجَرِه ، ودخول غير مُحْرِم .
وقال ابن عمر : كُنا نَتَحَدَّث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله ، وبلى والله ، وكَلاّ والله . ولذلك كان له فُسطاطان أحدهما في الْحِلّ والآخر في الْحَرَم ، فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الْحِلّ ، صيانة للحرم عن قولهم : كلا والله ، وبلى والله، حين عَظَّم الله الذنب فيه .
وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يُعَاتِبَ أهله عاتبهم في الْحِلّ ، وإذا أراد أن يُصلي صَلّى في الحرم . فقيل له في ذلك ، فقال : إنْ كُنا لنتحدث إن من الإلحاد في الحرم أن نقول : كلا والله ، وبلى والله .
والمعاصي تُضَاعَف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما بِنَفْس المخالفة ، والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام . وهكذا الأشهر الحرم سواء ..
وقال : ذَهَبَ قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يُعَاقَب على ما ينويه من المعاصي بمكة ، وإن لم يعمله ، وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا : لو هَمَّ رجل بِقَتْلِ رجل بهذا البيت وهو بِعَدَنِ أبْيَن لَعَذَّبَه الله . قلت : هذا صحيح . اهـ .
وفي قوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) قال أيضا : في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ، لأنهم عَزَمُوا على أن يَفْعَلُوا فَعُوقِبوا قبل فِعلهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) . اهـ .

3= إثبات صُحبة أبي شُريح العَدوي رضي الله عنه ، لأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وسَمِع منه .
لأنه قال : فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ , حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ .

4= عمرو بن سعيد بن العاص :
قال العيني : عمرو بن سعيد بن العاص ابن أمية القرشي الأموي ، يُعْرَف بالأشدق ، ليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان !
وقال : كان قَتْله سنة سبعين من الهجرة .
وقال : المعروف بالأشدق ، لَطِيم الشيطان ، ليست له صُحبة ، وعُرِف بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شَتْم عليّ رضي الله تعالى عنه ، فأصابه لقوة ، ولاّه يزيد بن معاوية المدينة ، وكان أحب الناس إلى أهل الشام ، وكانوا يسمعون له ويطيعونه ، وكتب إليه يزيد أن يُوجّه إلى عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه جيشا فوجهه واستعمل عليهم عمرو بن الزبير بن العوام .
وقال الطبري : كان قدوم عمرو بن سعيد واليا على المدينة من قِبَلِ يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين . وقيل : قَدِمَها في رمضان منها ، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة فامتنع ابن الزبير من بيعته ، وأقام بمكة ، فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشا وأمَّـر عليهم عمرو بن الزبير ، وكان معاديا لأخيه عبد الله ، وكان عمرو بن سعيد قد ولاَّه شُرطته ، ثم أرسله إلى قتال أخيه ، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه ، فامتنع ، وجاءه أبو شريح فذكر القصة ، فلما نزل الجيش ذا طوى خَرَج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم ، وأُسِرَ عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارِم . انتهى مِن عمدة القارئ .

5= قوله : وهو يبعث البعوث إلى مكة . يعنى لِقتال ابن الزبير . قاله النووي .
وقد كان عمرو بن سعيد بن العاص والياً على المدينة .
والبُعُوث هم القوم الْمُرْسَلُون للقِتال ونحوه . قاله ابن الملقِّن .

6= قوله : ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ . فيه التلطّف مع المخاطَب خاصة إذا كان له أمرٌ ونَهي ، لأنه أدْعَى للقبول .
قال ابن حجر : فيه حسن التلطّف في الإنكار على أمراء الجور ليكون أدْعى لقبولهم . اهـ .

7= قوله : قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ .
أي أنه خَطَبَ في اليوم الثاني من فتح مكة . قاله ابن حجر .
قوله : " من يوم الفتح " المراد فتح مكة ، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة . قاله ابن الملقِّن .

8= قوله : سَمِعَتْه أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي . أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه . قاله النووي .
أي أنه ليس بِمُتَوَهِّم في سماع الحديث ، ولا هو مُجرّد ظَنّ ، بل هو يقين وحق وصِدق .

9= قوله : حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يَفتَتِح الْخُطب بذلك ، سواء خُطب الجمعة أو مواعظه عليه الصلاة والسلام ، أو خُطبه في المناسبات ، كما هنا .
وعادة الرّواة يَطوون المقدِّمات اختصاراً ، للوصول إلى الفائدة والخلاصة .

10= قوله : " إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى , وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ " المقصود : بعض الناس ، أو كثير من الناس .
لأن أهل الجاهلية كانوا يُعظِّمون الْحَرَم ، فإنه لما أرادوا قَتْل خبيب رضي الله عنه خَرَجوا به خارج حدود الْحَرَم !
قال ابن حجر : والمراد بِقوله : " ولم يُحَرّمها الناس " أن تحريمها ثابت بالشَّرْع لا مَدْخَل للعقل فيه ، أو المراد أنها من مُحَرَّمات الله ، فيجب امتثال ذلك ، وليس مِن مُحَرَّمات الناس ، يعني في الجاهلية ، كما حَرَّمُوا أشياء من عند أنفسهم ، فلا يَسُوغ الاجتهاد في تَرْكِه . وقيل : معناه أنّ حُرْمَتها مستمرة من أول الْخَلْق وليس مما اخْتَصَّتْ به شريعة النبي صلى الله عليه وسلم .

11= قوله : " فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ "
سَبَقت الإشارة إلى تكرار هذا التذكير في الكتاب والسنة ، وذلك أن الذي يُؤمِن بالله واليوم الآخر يَعلَم أنه صائر إليه ، مَجْزيّ بِعمَلِه ، مُحاسَب عليه .
فيَحْمِله ذلك على الكَفّ والانتهاء عما أراد مما هو من معصية الله ، ومُخالَفة أمره أو أمر نبيِّـه صلى الله عليه وسلم . فـ

12= قوله : " لا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً "
ليس له مفهوم ، فلا يَحِلّ سَفك الدم بمكة لا لِمن يؤمن بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، ولا لِمن لا يُؤمِن بالله وَلا بالْيَوْمِ الآخِرِ .

13= قوله : " أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً "
فالذي يُؤمِن بالله واليوم الآخِر لا يَحِلّ له أن يسفِك بِمكةّ دماً .
وما المقصود بالدَّم ؟
هو الدم الحرام ، وهو ما يَكون في قِتال أو اعتداء ، ونحو ذلك .
واخْتُلِف في إقامة الحدود في مكة .
هل يُقَتل القاتِل ويُقام عليه الحدّ في الْحَرَم ؟
جوابه في المسألة التالية :

14= إذا قَتَلَ قاتِل في الْحَرَم . هل يُقتَل ، أو يُضيّق عليه ليَخْرَج من الحرم ؟
قال القرطبي في قوله تعالى : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) :
استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الْحَرَم على الْمُحْصَن ، والسارق إذا لجأ إليه ، وعضدوا ذلك بقوله تعالى : (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا) ، كأنه قال آمِنُوا مَن دَخَلَ البيت ، والصحيح إقامة الحدود في الحرم ، وأن ذلك من المنسوخ ، لأن الاتفاق حاصل أنه لا يُقْتَل في البيت ويُقْتَل خارج البيت ، وإنما الخلاف هل يُقْتَل في الْحَرَم أم لا ؟
والْحَرَم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة .
وقد أجمعوا أنه لو قَتَلَ في الحرم قُتِلَ به ، ولو أتَى حَدًّا أُقِيد منه فيه ، ولو حارَب فيه حُورِب وقُتِل مكانه .
وقال أبو حنيفة : من لجأ إلى الحرم لا يُقْتَل فيه ولا يُتَابَع ، ولا يزال يُضيّق عليه حتى يموت ، أو يَخْرُج ، فنحن نقتله بالسيف ، وهو يقتله بالجوع .

15= قوله : " وَلا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً "
سيأتي بيان هذا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو بعد هذا الحديث .

16= قوله : " فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ , وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ "
فيه التنبيه على إزالة الشُّبْهَة إذا تَوقّع العالم تعلّقها بالأذهان .
وفَرْق بين إزالة الشُّبْهَة وبين تلقين الناس إياها !
فالأول مطلوب والثاني ممنوع .

17= إنما أُذِن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال عام الفتح ، وذلك لما تَرتّب على ذلك القِتال من مصالح عظيمة ، مِن فتح مكة ، وإعادتها إلى من هو أولى بها وأهلها ، وكونها أصبحت بعد ذلك دار إسلام ، وأمْن الناس فيها ، إلى غير ذلك من المصالِح .
أما قِتال غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس فيه مثل هذه المصالح التي تُحتَمَل لأجلها المفسدة ، وهي القِتال في مكة .
وتَقَدَّم قول القرطبي ونَقْله للإجماع ، حيث قال : " وقد أجمعوا أنه لو قَتَلَ في الحرم قُتِلَ به ، ولو أتَى حَدًّا أُقِيد منه فيه ، ولو حارَب فيه حُورِب وقُتِل مكانه " .
فعلى هذا يكون مَنْع القِتال فيها ابتداءً لا لِمن حارَب فيها .
وهذا المنع مُنطَبِق على حال عمرو بن سعيد بن العاص ، لأنه ابتدأ القِتال ، لا أنه حارَب مُحارِباً . فابن الزبير رضي الله عنه عَاذَ بالبيت ، ولم يبدأ بِقِتال .

18= قوله : " فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ "
فأبو شُريح رضي الله عنه كان شَاهِداً حاضِراً ، وقد بَلَّغَ ما سَمِع إلى منَ غاب ، وهو عمرو بن سعيد بن العاص ، إلا أنه لم يَنتَفِع به !
بل أعْمَل عَقِلَه مُقابِل النصّ !
وقد ردّ عليه أبو شُريح رضي الله عنه ، كما في رواية الإمام أحمد أنه قال : قد كنتُ شاهدا وكنتَ غائبا ، وقد بَلّغت ، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبَلِّغ شاهدنا غائبنا ، وقد بَلّغْتك ، فأنت وشأنك !

19= قوله : " إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِياً , وَلا فَارَّاً بِدَمٍ ، وَلا فَارَّاً بِخَرْبَةٍ "
وهو قَول مردود على قائله ، أعني في حقّ ابن الزبير رضي الله عنه ، كما تقدَّم .
قال ابن حجر :
وقد تَشَدَّق عمرو في الجواب ! وأتى بكلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل ، فإن الصحابي أنكر عليه نَصْبَ الْحَرْب على مكة ، فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص ، وهو صحيح ، إلا أنّ ابن الزبير لم يرتكب أمراً يَجِب عليه فيه شيء من ذلك . اهـ .
وقال : وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الْحُكم مَساق الدليل ، وفي تخصيصه العموم بلا مستند . اهـ .

20= قوله : فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ : مَا قَالَ لَكَ ؟ أي ما قال الأمير في ردّه عليك .

21= قوله : " ولا فارًّا " بالفاء والراء المشددة ، أي هاربا عليه دم يعتصم بمكة كيلا يُقْتَصّ منه . قاله ابن حجر .

22= قوله : " بِخَرْبَة " بفتح المعجمة وإسكان الراء ثم موحدة ، يعنى السرقة ، كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي . قال ابن بطال الخربة بالضم الفساد ، وبالفتح السرقة . أفاده ابن حجر .

23= غَيْرة الله على مَحارِمـه .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بَعْث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم . رواه مسلم – وسيأتي بتمامه – .
وقد قُتِل ذلك الأمير الذي سَيَّر الجيش وبَعَث البعوث للقتال في مكة . وقد تقدّمت الإشارة إليه .
قال العيني: كان قَتْله سنة سبعين من الهجرة .
وذُكِر في كيفية قَتْلِه أن عبد الملك هو الذي قَتَلَه ، وهذه سُنّة ربانية أن من أعان ظالما سلّطه الله عليه .

24= جُرأة الأمير على صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم !
حيث ردّ عليه . وهو ردّ لِحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كما أن فيه تقديم العقل على النقل !
ثم هو استدلال في غير مَحلِّه .
فإن ابن الزبير رضي الله عنه لا تنطبق عليه تلك الأوصاف ، فإنه لم يَكن عاصيا ، ولا فارا بِدَم ، ولا فارا بخربة.
بل كان ابن الزبير خليفة المسلمين .

قال ابن كثير رحمه الله تحت عنوان : إمارة عبد الله بن الزبير . وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك .
ثم قال تحت هذا العنوان : قَد قَدّمْنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة ، وهم الذين كانوا يُحاصِرون ابن الزبير ، وهو عائذ بالبيت ، فلما رجع حصين بن نمير السكوني بالجيش إلى الشام واستفحل أمْرُ ابن الزبير بالحجاز وما والاها ، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك ، واستناب على أهل المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير ... ثم بَعَث أهلُ البصرة إلى ابن الزبير - بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها - غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوا من أربعة أمراء من بينهم ، ثم اضطربتْ أمورهم ، ثم بعثوا إلى ابن الزبير ... وبَعَث ابنُ الزبير إلى أهل الكوفة عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري على الصلاة ، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الْخَراج ، واسْتَوثَق له الْمِصْران جميعا ، وأرسل إلى أهل مصر فبايعوه ، واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدر ، وأطاعت له الجزيرة ، وبَعَث على البصرة الحارث بن عبد الله بن ربيعة ، وبَعَث إلى اليمن فبايعوه ، وإلى خراسان فبايعوه ، وإلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع . اهـ .
قال ابن بطال : وابن الزبير رضي الله عنهما عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء ، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قال مالك : ابن الزبير أولى من عبد الملك نَقَله العيني .

فأنت ترى أن ولاية ابن الزبير لم تكن خروجا على الحجاج ، بل هي بيعة عامة ، وخلافة شملتْ الحجاز واليمن ومصر ، وأغلب بلاد الشام .
وقد خَشِي الناس أن يُخسَف بذلك الجيش الذي غَزا ابن الزبير .
روى مسلم من طريق عبيد الله بن القبطية قال : دَخَل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة - أم المؤمنين - فسألاها عن الجيش الذي يُخْسَف به ، وكان ذلك في أيام ابن الزبير ، فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بَعْث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم. فقلت : يا رسول الله فكيف بمن كان كارِها ؟ قال : يُخْسَف به معهم ، ولكنه يبعث يوم القيامة على نِيَتِه . وقال أبو جعفر : هي بيداء المدينة .

25= إعجاب ذلك الأمير بنفسه وبما عنده من العلم ، حيث ادّعى أنه أعلم من الصحابي بقوله : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ !
وقد ذمّ الله أقواماً بإعجابهم بأنفسهم وبما عندهم من العلم ، فقال : (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)

والله تعالى أعلم .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح أحاديث عمدة الأحكام (متواتر حسب ترتيب أبواب الحديث)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 7 من اصل 9انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديـــــــــات حى على الـــــــــــــــــفلاح الإســــلامى :: منتدى فقه المسلم-
انتقل الى: